للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: محمد رشيد رضا


الأخبار والآراء

(خطر علينا وعلى الدين)
نشر المقتطف مقالة بهذا العنوان لعبد القادر أفندي حمزة المحامي بالإسكندرية
أعجبني منها نظم الكلام وأسلوبه وترتيبه , وتنسمت منه الغيْرَة، وحسن القصد،
فخطر لي عند القراءة أن أكتب إلى صاحب المقالة مُبينًا له رأيي فيها، ثم رأيت أن
أكتب ذلك في المنار بالإسهاب اللائق بالموضوع فلم تسمح لي الموضوعات
العارضة مع ما لا بد منه في كل جزء كالتفسير من كتابة ما أردت في الجزءين
السابقين، وقد كاد يتم هذا الجزء أيضًا، ولم يبق منه ما يسع كل ما أريد فأكتفي
ببعضه.
قال: إن الأمة إذا كانت متأخرة جاهلة لا تخطو إلى الإمام إلا بعد التقلب في
أدوار طبيعية، أولها: أن يكثر فيها الناصحون والمرشدون. وحكم بأن الأمه
المصرية في هذا الدور، والقاعدة صحيحة كما قال، ولكن المرشدين لم يكثروا إلا
أن نقول: إن المراد بالمرشدين من يتصدى للنصح على أن كثرتهم مرجوة، فنحن
في هذا الدور.
ثم قال الكاتب: إن هذه الأمة - على كثرة الصائحين فيها من
المرشدين - لا تفقه كلمة من عشر كلمات مما يلقون عليها، ولا تدري إلى أين تساق.
وهذه جملة مسلمة أيضًا , فإنك كنت تجد المتعلمين يصدقون الأحداث إلى الأمس
فيما يخبرون عن مستقبل مصر، وإخراج فرنسا الإنكليز منها , ويصدقون صاحب
الخمارة في أن العالم الفُلاني أخطأ في بحث القضاء والقدر! !
ثم انتقل الكاتب إلى مسألة الدين فزعم أن جميع المرشدين المختلفين في كل
شيء، متفقون على دعوة الأمة إلى الدين , وأن الأمة متفقة معهم في ذلك فإذا
اختبرت الناس في كل بلد، وإذا راقبت معلمي المدارس، ومربي الأطفال، وإذا
نظرت إلى المؤلفات الجديدة، وإذا همت في أودية الشعر مع أهله , وإذا تلوت
الجرائد والمجلات؛ فإنك لا تجد في هذا كله إلا دعوة الدين وإقناع النفوس بأن
النجاح والترقي لا يكون إلا به.
وهذه دعوى غير مسلمة قد غلا الكاتب فيها غلوًّا كبيرًا، فلو درت في البلد
واختبرت حال الناس؛ لقلت: إنهم لا دين لهم، ولا هَمَّ لهم في الدين , ولكنك تجد
عند الفلاحين شيئًا من التقاليد المنسوبة إلى الدين , وأكثرها ليس منه في شيء،
وهؤلاء لا ينظر إليهم في هذه المسألة؛ لأنهم لا رأي لهم وهم لم يأخذوا ذلك عن
المرشدين في هذا الدور.
ولو عرفت حالة معلمي المدارس لما رأيت فيهم عشرة في المائة، أو في
المجموع يؤدي الواجب عليه في قانون الحكومة من تعليم الدين، بل إن منهم من
يشغل وقت درس الدين بتعليم العربية، ويقول للتلامذة: هذا أنفع لكم؛ لأن درس
الدين لا شأن له في (نمر الشهادة) وقد اقترح واحد من الذين عهدت إليهم نظارة
المعارف بالنظر في قانونها (البروغرام) أن يضاف إليه درس ديني في القسم
التجهيزي فرفض طلبه بأكثر الآراء! ! ولو علم الناس ما علل به الرافضون
رفضهم لقضوا عجبًا! !
ولو التفت إلى الشعراء وطلاب الخيال لوجدتهم لا ينظمون شيئًا في ترقي
الأمة، ولا يذكرون ذلك إلا أن يحثوا الأمة على الفناء في حب الأمير وتفويض الأمر
كله إليه، والتعويل في السعادة عليه. أما المصنفات فالديني منها قليل جدًّا.
وأما الجرائد والمجلات، فليس فيها ما هو ديني إصلاحي إلا (المنار) ولا
أدري هل قلب صحائفه من قلب الدعوة الدينية على جميع وجوهها حولين كاملين أم
لا؟ ولا أنكر أنه يوجد أحيانًا في الجرائد كلام أَوْكلم في الدين، ولكنه يوجد عرضًا
يرمون به غرضًا لا أعرف جريدة لها دعوة دينية، أو رأي في الإصلاح الديني
تحاول إقناع الناس به , فإن كان الكاتب يعرف فأرجو أن يدلني على هذه الجريدة
لأستعين بها في عملي.
من هذه الجرائد المعروفة ما هي للأمير خاصة تدور معه حيث دار، فإذا
حضر الأمير احتفالات الموالد والمواسم المبتدعة في الإسلام قامت تنادي بإحياء هذه
الأمور خدمة للإسلام، وإذا احتفل بمرقصه السنوي، وفيه ما فيه من شرب الخمور،
وهصر الخصور؛ قامت تنوه بفضل هذا الاحتفال وتعده من أصول المدنية
والعمران، ومرقيات الأمة، ومنهم ما لا هم لصاحبه إلا المال والفخفخة فهو يسلك
لأجله كل مسلك، ويسير في كل فج، ناصبًا للمال والجاه كل فخ، ومن ذلك
إظهار الغيرة على الدين عند سنوح الفرص وحدوث الحوادث، ويقل فيها ما يكتب
لمجرد الغيرة على الدين، وإن خالف أهواء العامة والحاكمين، ثم إن وجد هذا أحيانا
فإنه لا يلتزم دائمًا.
وهذا الذي قلناه قد اعترف به الكاتب , وقال: إنهم يتاجرون بكلمة
الدين، ويتخذونها مطية للتغرير والتضليل، ولكننا نذكره بأنه لا يوجد واحد منهم
رسم لنفسه خطة، وفرض على نفسه الدعوة. إذًا لا يوجد فيهم من يشغل الأمة
بالدين عن أي عمل من أعمال الترقي فلا خطر علينا ولا على الدين منهم.
ثم انتقل إلى مسألة (ميراثنا الديني) فأحسن وأصاب في قوله: إن أهم
أسباب ما نحن فيه من الخلل الديني التقليد، ولكنه غلا في تمثيل إرثنا بعض
الشيء، ولا حاجة للبحث فيه , وإنما ننتقل معه إلى البحث في النتيجة.
قال: (إن في الداء بالدين اليوم، وهو كما هو من الانحراف عن صورته
الأصلية خطرًا عليه لا يبعد إذا لم تتداركه أن ينتهي بانحلاله وضياع أصله في قليل
من السنين) .
ثم استدل على ذلك بسوء حال طلاب المدارس، وعلماء الشرع
وسائر طبقات المسلمين، وبَيَّن بُعْد الجميع عن الدين. وهذا صحيح، ولكنه لا
ينتج ما قال أولاً؛ لأن هذا ليس أثرًا لنداء المرشدين أو المتصدين للإرشاد بالدين،
وإنما هو أثر التقاليد المتبعة بالعمل قبل أن تدخل الأمة في هذا الطور أو الدور الذي
قال أولاً: إنه أول أدوار ترقي الأمم , فليس الخطر علينا وعلى الدين إذًا من هذا
النداء الجديد - إن كان - وإنما الخطر كل الخطر في بقائنا على التقاليد الموروثة
بالتربية والعمل أو (بالبدع والخرافات والتقاليد والعادات) التي لها باب مخصوص
في المنار، فإننا لا نقوى بها على معارضة المدنية الجديدة، ولا على مجاراتها،
ولا نقدر أن نكون بها أمة عزيزة قوية.
ثم ضرب لنا مثلاً ما كان من الانقلاب الديني في أوربا , وفي سياقه مجال
للبحث، ولكنه غير جوهري فهو لا يشغلنا عن الحقيقة البيضاء النقية في قوله: (ألا
فلنعرف جيدًا ولو ساءتنا هذه المعرفة أننا بجهلنا الأعمى وتشيعنا الكاذب أوصلنا
الدين اليوم إلى حال إن استمرت ولم نقف في طريقها؛ أدت ولا محالة إلى زواله)
ثم بين الكاتب طريق تلافي الخطر المتوقع بالإجمال فقال:
(لا يقولن مندفع أني أريد بهذا أن يترك الدين جانبًا! ! فمعاذ الله، ثم
معاذ الله أن أريد ذلك، أو أن يخطر على فكري شيء منه. إنما أريد أن يلبس
الدين بيننا ثوبه الحقيقي، ذلك الثوب الأبيض الطاهر الذي تنظره الأبصار فيعجبها
جماله، وتسرها حقيقته، أريد أن ترمى تلك التقاليد والعادات الموروثة التي تلبست
بالدين بعيدًا ليعود خاليًا من الشوائب يتسع المجال فيه للفهم السليم، والنظر
الصحيح، أريد أن تحفظ للدين كرامته، فلا يجعل هدفًا لكل متشدق مغرور يتجر
بالمناداة به على جهل ولغير داع، أريد أن تمحى من بيننا آثار التغالي والتشيع؛
فنعلم أن القرآن لم ينزل إلا بقواعد عامة للناس جميعًا، فلنا ولكل أمة أن تتصرف
في مدلولاتها بما يناسب الزمان والمكان دون تقييد، أو حجر على الأفهام، إلا ما
يخرج عن الدين، أريد أن لا يؤتى بكلمة الدين أمام العلم ليقال: إن آية أو حديثًا
يعارض معناهما شيئًا من العلم، فإن الدين لم ينزل ليعلم الناس العلم، أو لينافي
العقل في شيء حتى يعارضهما، ولو في بعض الأحايين، أريد أخيرًا أن لا نكثر
من الصياح باسم الدين؛ حتى لا تلتفت العقول الناشئة إليه قبل أن يظهر في ثوبه
الحقيقي لئلا تنفر منه , ونكون قد جنينا من حيث طلبنا الفائدة) . اهـ
نقول: هذا هو صفوة المقالة، وجوهرها، ونحن نسلم له بكل ما يريد مع
بحث في الأمر الأخير المبني على المقدمات التي منعناها. وقلنا ونقول الآن: إن
الذين ينادون باسم الدين على قلتهم فيما نعلم وكثرتهم فيما قال - لا يضرون الدين
ولا أهله وإن كان الدين على غير وضعه؛ إذ لا نعرف بدعة جديدة حدثت بهذا
النداء، بل منه ما زعزع كثيرًا من البدع والتقاليد التي يريد الكاتب محوها، ثم
نقول له: كيف السبيل إلى الرغائب التي يريدها، ويريد أن لا يذكر الدين معلم،
ولا مُرَبٍّ، ولا كاتب، ولا مؤلف قبل وجودها؟
هل يريد ذلك إرادة حقيقية أم هي خواطر سنحت عند الكتابة، أو عند تصور
موضوعها؟ إن (المنار) يدعو منذ بضع سنين إلى مثل ما دعا إليه الآن، وكل ما
ذكره فهو إشارة إلى موضوعات مجملة، نشرت في المنار مبينة مفصلة، منها
ما هو لصاحب المنار، ومنها ما هو لأكبر المسلمين المعروفين عقلاً، وعلمًا كالأستاذ
الإمام وصاحب سجل جمعية أم القرى. فهل نظر في ذلك أم لا؟ إن كان لم ينظر
فيه فكيف يصح قوله: إنه لم يكتب في الموضوع إلا بعد أن قلبه، وعرف ظاهره
وباطنه، وإن كان نظر فيه فما هو رأيه في هذه الدعوة؟ إن كان يقول بها؛
فكيف اقترح إسكات كل متكلم بالدين؟ وإن كان يراها كغيرها مع تضمنها
لمراداته فما هي السبيل إلى هذه المرادات؟ أم هي أمانٍ ميئوس منها؟ عن هذه
الأسئلة نطالبه بالجواب، ولم نخاطبه ونطالبه إلا لأننا رأيناه بحث في أصول
دعوتنا بعقل نعترف به بالإجمال، ولذلك عنينا بكلامه على أننا قلما نتم قراءة شيء
مما يكتبه أكثر الكاتبين في هذه المسألة لأننا نراه من اللغو. ولعلنا لا نعدم من هذا
الكاتب الباحث رأيًا جديدًا، وإرشادًا مفيدًا. فإنه بذلك جدير، {وَاللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ
وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ} (الأحزاب: ٤) .
* * *
(الوفاق الفرنسي الإنكليزي)
أصبحت الممالك الاسلامية بفضل ملوكها وأمرائها طعمة للأمم لا يصرفها عن
ابتلاعها صارف إلا التنازع وكالأرض الموات، مَنْ سبق إلى شيء منها مَلَكَه وقد
سبق الإنكليز إلى احتلال مصر بطلب من أميرها ليحمونه من أمته، وبرضى من
السلطان ليكفوه شر الحكومة الخديوية التي طالما نازعته في سلطته، وقد كان
لمصر من الأمل الوهمي أن حقوق الدول المالية في مصر تحول دون استئثار
إنكلترا بالسلطة فيها. فما زال هذا الأمل يذوب ويضمحل بفضل السلوك الذي سلكه
الأمير مع المحتلين، وهو مصادمة الضعيف للقوي أولاً، واستسلامه له ثانيًا حتى
فني بالمرة بالمعاهدة الأخيرة.
حقوق الدول في مصر مالية وبها يراقبون على مالية مصر؛ فلا تستطيع أن
تقوم بمشروع مالي دون إذن من صندوق الدين الرقيب من قبل أوربا على المالية
والمال المقصود من الاستعمار، وقد حمل مستشار المالية السابق دكريتو من الأمير،
وسافر الى أوربا لا يدري أحد ماذا يريد إلا الأمير واللورد كرومر والنظار،
وعلى هذا الدكريتو بني الاتفاق الجديد على مسألة مصر بين فرنسا وإنكلترا،
وبمقتضى هذا الوفاق صارت إنكلترا حرة في جميع تصرفاتها في مصر، فهي
تنفق باسم الحكومة الخديوية جميع الملايين المتوفرة، والتي تتوفر من مالية مصر
في المشروعات التي تراها، وبمقتضى هذه المعاهدة صار الاحتلال الإنكليزي غير
موقت، ولا يطلب توقيته. عاهدت فرنسا إنكلترا على هذا، وعلى مساعدتها في
إرضاء الدول , وأعطتها إنكلترا مراكش بدلاً عن حقوقها في مصر! ! وفرنسا أكثر
الدول حقوقًا، فروسيا حليفتها راضية تبعًا لرضاها وإيطاليا وديدة الإنكليز راضية،
وكذلك النمسا راضية وألمانيا لا تشذ عن أوربا كلها فقد قضي أمر المسألة
المصرية من جهة الدول والأريكة الخديوية، ولم يبق للأمة رجاء إلا بعناية الله
تعالى، واستعدادها للارتقاء؛ فاذا صارت أمة فالمستقبل لها؛ وإذا بقيت لاهية
بالشهوات؛ فهي مستعبدة إلى ما شاء الله تعالى.
* * *
يطلب منا كثير من الناس أن نحط عنهم بعض قيمة الاشتراك، ولو علمنا من
هؤلاء الطالبين العجز عن دفع عشرة قروش، أو عشرين في السنة مع شدة الرغبة
في المطالعة كما يقولون لحططنا عنهم القيمة كلها كما حططناها عن قوم آخرين ,
ولكن ما يثقل بذله كل سنة في مثل هذه السبيل يخف بذله وبذل أضعافه كل يوم في
السُبل الأخرى.
وإن الذي يريد أن ينقصنا بعض الثمن، أو كله لا يفكر في كثرة أمثاله وفي
أن الكثير ينهض بالواحد، والواحد لا يقدر على النهوض بالكثير.
إن المنار أرخص المجلات العربية المنتشرة ثمنًا، وكم من مجلة وقد زادت
في قيمة اشتراكها عما قررته في أول إنشائها، ومنها ما قارن الزيادة في ثمنها
نقص في مادتها. وقد زدنا في مادة المنار وتحسينه مع بقاء قيمة الاشتراك على
أصلها. وإنا لنعلم أن طلب النقص لا بد منه سواء علينا أزدنا في القيمة أم نقصنا
فلو جعلناها ثلاثين لقال باذلها الآن: إنني لا أقدر على أكثر من عشرين: ولو
جعلناها ثمانين لجادت يده بالأربعين.