للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: محمد رشيد رضا


تقرير مفتي الديار المصرية
في إصلاح المحاكم الشرعية

يعلم القرَّاء أن الحكومة عهدت إلى فضيلة الأستاذ الكبير، والعلَم الشهير الشيخ
محمد عبده مفتي الديار المصرية بأن يضع تقريرًا فيما يراه من طريقة إصلاح
المحاكم الشرعية؛ لما تعهد في فضيلته من كمال العلم والدراية بأحكام الشرع الشريف
وحسن الإدارة والنظام، وأن الأستاذ ابتدأ باختبار المحاكم، واكتِناه شؤونها، فطاف
على محاكم الوجه البحري وفتشها بالتدقيق حتى أحاط بها خُبرًا، وزار المحكمة
الشرعية الكبرى في العاصمة وعرف أحوالها، ثم وضع تقريره قبل الطواف على
محاكم الوجه القبلي الذي هو عازم عليه؛ لأن وضع القواعد العامة للإصلاح لا
يتوقف على الاستقراء التام، وقد جاء هذا التقرير كافيًا بالغرض منه، وافيًا بما
وضع لأجله، لم يغادر كبيرة ولا صغيرة إلا أحصاها، وهو مبتدأ بمقدمة في وظيفة
المحاكم الشرعية واختصاصها، وما لأعمالها من التأثير في الهيئة الاجتماعية،
والتربية القومية، وفي حالتها الآن، وبعدها كلام مفصل أحسن تفصيل عن الكتَبة
والقضاة والحُجَّاب والدفاتر، وسائر الأعمال، مبين فيه طرق الخلل مع بيان
المخرج منها، ومن أهم ما جاء فيه- أو أهمّه- بيان أن كمال الإصلاح يتوقف
على عدم التقيد بمذهب الإمام أبي حنيفة - رضي الله عنه - في سائر الجزئيات؛
لأن اختلاف الفقهاء لا يكون رحمة إلا إذا أخذت الأمة من مجموع أقوالهم
مايوافق مصلحتها العامة، وسنبين هذا وما اشتبه منه على بعض الجرائد بالأدلة
والبراهين، وبمثل هذا كان إصلاح التقرير إسلاميًّا عامًّا لا مخصوصًا بالمحاكم،
وإننا ننشره تباعًا لما فيه من الحكم والفوائد، ولما نعلم من شغف القرَّاء بالوقوف
عليه وهو:
... ... ... ... (المقدمة)
تدخل المحاكم الشرعية بين الرجل وزوجته، والوالد وولده، والأخ وأخيه،
والوصي ومحجوره، وما من حق من حقوق القرابة القريبة والبعيدة إلا ولها سلطان
السيطرة عليه والقضاء فيه، وإنها لتنظر من ذلك في أدق الشؤون وأخفاها، ويسمع
قاضيها ما لا يُسمح لأحد سواه أن يسمعه سوى مايكون من الزوج لزوجته، أو
الزوجة لزوجها، فكما أنها هياكل عدل هي كذلك مستودع , سر وأي سر! !
فمنزلتها من نظام الأسر (العائلات) تلي منزلة المحبة وروابط القرابة، فإذا
تراخت تلك الروابط، ومرضت المروءات تعلَّق حفظ نظام البيوت بالمحاكم
الشرعية.
وللشريعة الإسلامية في ذلك دقائق لا يسهل الالتفات إليها إلا على
من أحاط علمًا بكليات أحكامها، ووقف بالبحث الصحيح على مقاصدها، ووصل إلى
أدق معانيها، وكان من العلم بلغتها في منزلة يعرفها له أربابها، ولن يكون الرجل
كذلك حتى يأخذ الشرع من أهله، وتكون تربيته على السنة الدينية الصحيحة، ثم لا
يكون القاضي حافظ نظام الأسر والبيوت بعد الإحاطة بأحكام الشرع حتى يكون
للشرع وأحكامه سلطان - أي سلطان- على نفسه.
ترى أغلب أهل الطبقة الدنيا وعددًا غير قليل من أهل الطبقتين الوسطى
والعليا قد ودَّعوا عواطف الصهر والقرابة، ولجأوا في علائقهم البيتية إلى المحاكم
الشرعية، فمن النفقة والسكنى، وراحة الزوجة من منازعة أهل الزوج، ومن مؤنة
وقيام بشؤون الأولاد وتربيتهم إلى سن معلوم، ومايلزم لذلك كله مرجعه الآن إلى
المحاكم الشرعية عند من ذكرنا، ولا يخفى أن الشعب إنما هو مؤلف من البيوت
التي تسمى عائلات، وأساس كل أمة عائلاتها، لضرورة أن الكل إنما يقوم بأجزائه،
ولما تعلقت مصالح البيوت في أدق روابطها بالمحاكم الشرعية، كما هو الواقع
اليوم تبين مقدار حاجة الأمة في صلاحها إلى صلاح هذه المحاكم وظهر أن منزلتها
من بناء الحكومة المصرية منزلة الركن الذي لو ضعف ظهر أثر ضعفه في البنية
بتمامها.
إذا ظهرت هذه المحاكم في مظهرها الديني، وسارت سيرتها الشرعية القويمة،
أدخلت أصول النظام في أصغر البيوت، فضلاً عن أعلاها، وأعادت بالعدالة
الأبوية ما فقده الناس من نظام الألفة، وقد رأينا أن الرجل يدخل المحاكم الأهلية
مخاصمًا فيخرج منها محاميًا، فأحرى بمن يقوم بين يدي قاضٍ ينطق بالعدل الإلهي
أن ينقلب وفي نفسه أثر من خشيته.
للمحاكم الشرعية- بعد ما تقدم- نظر في حقوق الميراث وأصول الأوقاف
والاستحقاق فيها وإليها وحدها الفصل في ذلك، والمخاصمات في هذه الطائفة من
الشؤون ليس عددها بقليل، وكم رأينا من قضايا أُوقف النظر فيها أمام المحاكم
الأهلية حتى يقضي الحاكم الشرعي فيما بُني عليه الحق المتنازع فيه، هذا إلى
ماعُهد إلى تلك المحاكم من تحرير العقود الرسمية في كل باب من أبواب المعاملات
ولا تزال ثقة الناس بها أشد من ثقتهم بالمحاكم المختلطة، ويعدون التسجيل في أقلام
كتاب المختلطة ضربًا من التساهل يأتيه من لا يريد بناء أمره على أساس متين.
مهما همَّ قوم بتضييق دائرة اختصاص هذه المحاكم وجدوا عقبات في طريقهم
وصعب عليهم المنال، ولئن نجحوا فلن يستطيعوا أن يضعفوا من حاجة الناس إليها،
فمن الحق أن يشتكي الناس من الاعتلال الذي عرض لها، ومن الحق أن ارتفعت
أصواتهم بطلب الإصلاح، ومن العدل، بل من الواجب الذي لا تبرأ الذمة إلا بأدائه
أن تسمع الحكومة شكوى الكافة، وأن تنهض لتخفيف آلام الشاكِين، وتدخل إلى
الإصلاح من أبوابه , وجزى الله من اهتمَّ بشأن هذه المحاكم خيرًا.
وشكوى الناس تنحصر في صعوبة المعاملة مع الكتاب، وطول الزمن على
القضايا، خصوصًا إن كانت مهمة، وخفاء طرق المرافعات حتى على العارفين
بأحكام الشريعة فضلاً عن سائر العامة وهوى القاضي أو ضعف يقظته، وشكوى
القضاة تنحصر في رداءة مقامهم والتقتير عليهم في المرتبات وسائر النفقات التي لا بُدّ
منها، والنظام يشكو من التساهل في المحافظة عليه.
إذا ذهبت إلى ديوان مديرية، وأردت أن تعرف محل المحكمة الشرعية في
ذلك الديوان، فابحث عن أردأ محل فيه تجده هو مكان المحكمة الشرعية، فإن
كانت المحكمة منفصلة عن المديرية، فقلما تجدها إلا في محل لا يسع عمالها
ودفاترها، وذلك حرصًا على تخفيف الأجرة بقدر الإمكان، ومن محاكم المراكز ما
تراه في بيت خرب , ومحل القاضي والكتبة يثور التراب من أرضه، فإذا رشوه
بالماء انقلب وحلاً، وترى فيما ترى محكمة مديرية تهدَّم بعض بنائها، وظهر وهنٌ
في سقف السلم والطريق الموصل إلى بعض مرافقها يمر الذاهب منه على جذع
نخلة غير آمن خطر السقوط.
وترى في أكبر محكمة في البلاد أن أربعة عشر كاتبًا مع مَكاتبهم من الخشب
أمامهم في محلين سعة كل منهما لا تزيد عن أربعة أمتار في ستة، فيكون الكاتب
ومكتبه في أقل من متر مربع، ومما يروى من المهانة أن أحد مأموري المراكز
طرد قاضيًا من محل محكمته، أما الفرش والأثاث فقلما تدخل محكمة- خصوصًا من
محاكم المراكز - ولا تشمئز نفسك لرثاثة الأثاث ووساخته، والكراسي التي توجد في
هذه المحاكم هي من الصنف المعروف الأخضر الذي لا يوجد له أثر في ما نعرف
في دواوين الحكومة عاليها ودانيها إلا في هذه المحاكم الشرعية، وإذا وجدت عشرة
كراسي مثلاً، فستة منها لا تخلو من كسر وانتقاض فتل.
وحدثنا بعض القضاة أنه دخل محكمة مركز فوجد فيها كرسيًّا واحدًا يجلس
عليه القاضي، ورأى الكتبة يجلسون على مقاعد من صناديق الغاز، وكيف لا
تتألم النفس ويطول الأسف عندما ترى حالة المحل الذي يستريح فيه سماحة
قاضي محكمة مصر الكبرى , من تمزق الفرش ورثاثته، وكذلك حال بقية أماكن
الكتبة والقضاة فيها، ثم يتبع هذا التقتير في جميع المواد حتى إنك لترى بعض
المضابط في محاكم المراكز قد طمست سطورها من رداءة الحبر، فإذا سألت عن ذلك
قيل لك: إن الحبر يشتريه الكتبة من مالهم الخاص عند نفاذ الحبر الذي تصرفه لهم
المديرية وإبائها صرف غيره، ولاتسل عن المكاتب ورثاثتها وحالتها من القدم وقبح
التركيب، وماعليها من طبقات الوسخ.
أليس لعمال هذه المحاكم حق أن يسقطوا من نظر أنفسهم، وأن يظنوا أنهم
ليسوا واقعين تحت نظر الحكومة وإلا لما سهل عليها تركهم على هذه الحالة، ولا
شئ يضر بعمل الإنسان مثل اعتقاده في نفسه الهوان والضعة، أليس هذا يسقط مقام
العدالة من أنفس المتقاضين، ويقلل من احترامهم لما تصدره هذه المحاكم من
الأحكام كما هو جارٍ الآن، يجب علينا أن لا ننسى أن لحالة المكان أثرًا في أنفس
الداخلين فيه، وأن الحكومات المتمدنة نفسها تغالي في إقامة هياكل العدل على قواعد
المهابة والإجلال، علمًا منها أن المَلكَ مَلِك بعرشه، وأن العرش برياشه
وفرشه.
فالواجب إذًا على الحكومة أن تُدِخل المحاكم الشرعية في كل رسم ترسمه لبناء
مسكن من مساكن الإدارة، ففي المدريات تفرض للمحاكم الشرعية موضعًا فيه من
الأماكن مايكفي للجلسات وعمل القضاة منفردين بعد الجلسات وقبلها، وللكتبة
والدفتر خانة، والمخازن ونحو ذلك مما يلزم للمحكمة، وكذلك يكون الأمر في
المراكز، وما بني بدون أن يراعى فيه ذلك يجب أن يتمم مع الإسراع بقدر الإمكان،
ثم يُنظر في تلك المحاكم جميعها، وتُوفَّى ما يليق بشأنها من حيث هي جزء من
بنية حكومة عظيمة جديرة بالاحترام في جميع شؤونها حتى يرتفع شأن الموظفين
عند أنفسهم وعند الناس، ويقتنع المتقاضون أن القضاء الشرعي ليس في نظر القوة
المنفذة بأحط شأنًا من غيره، فيخضعوا لأحكامه، وفي ذلك كرامة الحكومة ونظامها.
ويتبع الكلام في المساكن، الكلام في الكتبة؛ لأنهم أظهر عضو في جسم
المحكمة وعلاقاتهم بالمتخاصمين والمتعاقدين، وطلاب الصور وغيرهم تتقدم على
صلة الناس بالقاضي كما هو معلوم.
ليس من السهل أن يقف الإنسان في زمن قليل على سيرة كل كاتب، وغاية ما
يقال: إن الشاكين منهم أكثر من الراضين عنهم، والذي يتبين للناظر في أمرهم
هوأن أكثرهم لا يُعرف كيف تعلم صناعة الكتابة؟ ولا أين كانت تربيته؟ وليس
لانتخابهم قاعدة معروفة، وكثير منهم كانوا تلامذة عند سلفهم، ثم عين في الوظيفة
لأنه تمرن على عملها، ومنهم من يكون السبب في تعيينه فقره لاغير، ومنهم من
يكون له مزية سوى الفقر، ولكنها ليست مما يزيد في معرفته ولا حسن سيرته، أما
معرفتهم فناقصة، وقليل بينهم الكفؤ لعمله، وإنما يحفظون ألفاظًا وعبارات رديئة
التركيب، مشوشة التأليف، يظنون أنها ملك موروث، ولايمكن أن يقوم مقامها
مايؤدي معناها، والناظر في العقود والمرافعات يعرف مقدار ما عليه هؤلاء العمال
من القصورعلى تفاوت بينهم، ويكفي في هذا الباب أن أحد كبراء الحكومة لم
يستطع أن يفهم عقدًا عقده لنفسه إلا بواسطة أحد مفتشي الحقانية حيث فسره له،
وأوضح معناه، فما ظنك بحال غير المتعاقدين.
ولكنك ترى في مُرتباتهم ما يُلتمس لهم معه العذر، فالكاتب الذي يقيم ثمانيَ
وعشرين سنة أو أكثر يتردد بين مائتي قرش وثلثمائة وخمسين، وهو كاتب أول
المحكمة، ولا يطلب لنفسه معيشة أرقى من هذه، لايمكن أن تكون معارفه أرقى مما
هو عليه إلا أن أن يكون زاهدًا من الزهاد، نعم لا يوجد في مرتبات الكثير من
الكتبة ما ينتهي إلى ألف قرش إلا في محكمتي مصر والإسكندرية وفي محكمة
مصر مرتبات أرقى من ذلك للكتبة ما بين العشرة والأربعين، ولكن لا توجد قاعدة
للترقي بحيث يتناوب هذه الوظائف ذات المرتبات العالية رؤساء الكتاب في
المديريات والمحافظات، بل حفظت الوظائف لأشخاص معينين متي دخلوها خلدوا
فيها، وكذلك حال الوظائف التي تربوعلى خمسمائة قرش في المديريات
والمحافظات، أما في المراكز فقليل ما يزيد مرتب الكاتب عن ثلثمائة وخمسين
قرشًا.
وأضف إلى ذلك اختلاط أرباب الحاجات بالكتاب، وما تجده من الفوضى في
كثير من المحاكم، فصغار الكتبة لا يخضعون لرؤسائهم، وضعف القاضي في
المعارف الكتابية يعين على ذلك، وفي هذا من الخلل ما لا يخفى.
أما عدد الكتبة، فربما كان دون ما يفي بحاجات المحاكم في الجملة، وإن كان يوجد
في بعض المحاكم مايزيد عما يكفيها.
(البقية بعد)
((يتبع بمقال تالٍ))