للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: محمد رشيد رضا


حياة أمة بعد موتها

جمعية اليهود الصهيونية
{أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا
فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى القُلُوبُ الَتِي فِي الصُّدُورِ} (الحج: ٤٦) .
كنا نتحدث في أيام العيد مع صاحب الدولة رياض باشا في حال المسلمين وما
يحتاجونه من الإصلاح، فجاء ذكر اليهود عند ذكر ركن كل إصلاح وتقدم وهو
(المال) وذكرنا الجمعية الصهيونية ومساعيها في إعادة السلطة والمُلك إلى شعب
إسرائيل، فقال الوزير: إنه اطلع في هذه الأيام على كتاب لبعض الأوربيين
المحادين لليهود ألَّفه صاحبه للوقيعة والإزراء بهم، فكان كله تعظيمًا في الحقيقة
وتبجيلاً، ومما فيه أنَّ أزِمَّةَ المنافع في باريس أو فرنسا بأيدي اليهود، وقد رغَّب
إليَّ بعض أفاضل المصريين بتعريبه لا ليستاء الإسرائيليون؛ ولكن ليعتبر
المسلمون.
أنى يعتبر المسلمون بأحوال البشر، وما في الأرض من الآيات والعبر،
وعلي أبصارهم غشاوة، وفي آذانهم وقر، وقلوبهم في أكنة لا يصل إليها وعظ
الواعظين، ولا تنبيه المنبهين، فالعبرة بعيدة عنهم ما دامت هذه الحوائل والموانع
بينهم وبينها، وسننبه عليها في هذه المقالة، وإن كنا فصَّلنا القول فيها من قبل؛ فإن
أكثر قومنا ينسون النافع ويحتاجون إلى التكرار.
لو كنا نسمع أخبار الأمم سماع تدبر، أو نعقل الحوادث بحكمة وتبصر، لما
كنا نضرب المثل إلى اليوم بذُلِّ اليهود وضعفهم، ونخشى أن نكون في يوم من
الأيام مثلهم ونحن لا نعرف أنفسنا ولا نعرفهم، لا نعرف من فضلنا عليهم في
الحياة الاجتماعية إلا أن بعض بلادنا لا تزال تحت رياسة أمراء منا، وأنهم
محرومون من السلطة، ويا ليتنا كنا نبصر الطريق التي تسير فيه أمراؤنا بتلك
البقايا من البلاد؛ لنعلم أهو طريق سلفنا العدول الصالحين الذين ورثوا الأرض
لأنهم صالحون لعمارتها؟ أم هو طريق خلفهم المستبدين الجائرين الذين أضاعوا
أكثر الممالك الإسلامية حتى لم يبق لنا منها إلا ذلك البعض الذى أعمانا الغرور به
على ما نشاهد من استبداد الأجانب علينا فيه.
ثم يا ليتنا كنا نبصر الطريق الذي يسير اليهود فيه الآن؛ لنعلم هل هو طريق
سلفهم الذين كانوا مغرورين بالنسب الشريف (سلالة الأنبياء) واللقب الضخم
(شعب الله - أبناء الله وأحباؤه) والاعتماد على بركة التوراة في الاستفتاح على
الأمم والانتصار على المناصبين من غير عمل بما ترشد إليه من الاتحاد والاعتصام؟
أم هو طريق آخر اعتبروا فيه بسنن الله في خلقه فحافظوا على لغتهم وجامعتهم
الملية مع تشتتهم في جميع أقطار الأرض، وتقرب بعضهم من بعض بالتعاضد
والتعاون، وأخذوا بجميع علوم العصر وفنونه النافعة، وبرعوا في جمع المال الذى
هو أساس القوة والعزة في هذا العصر؟ أليس هذا هو الطريق الذى استقام عليه
الإسرائيليون في هذا العصر، فنبتت شوكتهم المخضودة، وعادت عزتهم المفقودة،
ولا ينقصهم أن يكونوا أعظم أمة على سطح الأرض إلا الملك، وهم يسعون إليه
من طريقه الطبيعي، وإن اليهودي الواحد اليوم أعز من ملك من ملوك الشرق؛
فإن أية دولة أوربية تهدد أعظم سلطان شرقي بالقول والفعل وتحمله بالقوة على أن
يهين نفسه، وقد حاولت دولة فرنسا أن تهين رجلاً يهوديًّا فقامت عليها القيامة،
وكادت تشب فيها الحروب الداخلية المجتاحة لولا أن تداركتها، وذلك في مسألة
دريفوس التي لم ينسها أحد ممن عرفها.
لليهود جمعيات ملية كثيرة - ولا نجاح للأمم إلا بالجمعيات - ولم نسمع بذكر
الجمعية الصهيونية إلا من نحو خمس سنين، وهي جمعية سياسية غرضها
الاستيلاء على البلاد المقدسة لتكون مقر ملكهم وعرش سلطانهم، وقد جاء ذكر هذه
الجمعية في العدد السادس من منار السنة الأولى (ص ٤٤ و ٤٥) وفيه أن حركة
هذه الجمعية ظهرت فجأة في النمسا وألمانيا وإنكلترا وأميركا، ولم تكن تُظهر
في أول الأمر طلب الملك؛ وإنما كانت تتظاهر بحب نقل فقراء اليهود المهاجرين
والمُخْرَجِين (المنفيين) إلى بلاد فلسطين؛ ليعمروها ويعيشوا في ظل السلطان
آمنين، وكأنها وثقت بقوتها الآن، فخرجت من مضيق الكتمان، وقد بعثت منذ
أشهر المستر إسرائيل زنفويل من لندرة إلى الآستانة للمساومة في شراء القدس
الشريف ويقال إنه لقي من الحضرة السلطانية التفاتًا وانعطافًا، وبعد رجوعه خطب
في الجمعية فقال ما مثله بالعربية:
(إن اليهود سيرجعون بكثرة إلى فلسطين مملكتهم القديمة التي لا يمكن أن
تغرب شمسها من سماء أفكارهم، وسيبلغ عددهم فيها سنة ٢٠٠٠ أي آخر القرن
العشرين المسيحي مائتي ألف ألف (مليونين) نفس، وسيجعلون تلك الأراضي
جنات عالية قطوفها دانية، وينشئون فيها حدائق ذات بهجة، ويصلون أطرافها
وأرجاءها بالسكك الحديدية، ويقيمون فيها حكومة منتظمة خاصة بها تكون نموذج
الكمال لجميع الأمم والأجيال، فيكون شعب إسرائيل منارًا على جبل صهيون
تهتدي به الأمم كلها إلى المدنية الفضلى في الأحوال الاجتماعية والسياسية
والقضائية والأدبية والزراعية وسائر الشؤون المعاشية، ومن قوانينه تتعلم دول
أخرى طرق الرشاد في تدبير الممالك، كما تتعلم الأمم والشعوب من نظامه
الاجتماعي حقيقة المدنية، ومن سيادته الروحية معنى الديانة الحقيقية) .
قال: (وبالجملة فإني معتقد بنجاح الآمال في امتداد ملة اليهود بعد رجوعهم
إلى فلسطين، ويمكن أن يقال إنه منذ زمن المسيح إلى هذا العهد لم يطلع العالم
على شيء من حياة الإسرائيليين وأعمالهم، وقد كانوا مضطهدين من المسيحيين
والوثنيين في كل مملكة، فكان ذلك هو السبب في بقائهم بما قرَّب بعضهم من بعض وألف بين قلوبهم، ومنعهم من مخالطة غيرهم والتزوج ممن سواهم) .
ثم قال: (وغاية ما يرمي إليه اليهود هو جمع النقود الكافية لابتياع أرض
فلسطين من السلطان الذي ستكون الحركة الكبرى تحت سيادته، وقد بلغ ما جُمع
إلى الآن ألف ألف ريال أميركاني (مليون) وفي كل مدينة وكل قرية يتبوءها
اليهود في مشارق الأرض ومغاربها فرع من الجمعية الصهيونية يجمع المال لهذا
الغرض، وكل ما جمع فهو من الفقراء؛ لأن الأغنياء مشغولون بمنافعهم الشخصية
عن إعطاء هذا المشروع حقه من العناية والاهتمام، على أن تهاون الأغنياء لا
يخمد نار الحمية الملية في نفوس الفقراء، يدل على ذلك جمع النقود بسرعة من كل
صوب وانهمار صيبها من كل أفق، ويرجى أن نوفق في بضع سنين لجمع مقدار
من النقود يكفي لبلوغ الغاية ونيل الأمنية) ... إلخ.
أظن أن الخطيب مبالغ في نسبة أغنياء اليهود إلى عدم العناية بمساعدة
الجمعية الصهيونية، ولعل الحكمة في ذلك تنشيط الفقراء والمتوسطين على البذل
بقدر الإمكان، ثم يكون الأغنياء هم الذين يُتمون العمل إتمامًا، وإلا فمن ينكر كرم
البارون هرش والإنفاق من سعته على شراء المستعمرات لقومه، ومتى بسط مثل
هذا الغني السخي يده لمساعدة هذه الجمعية، فقل قد قرب مجيء ذلك اليوم العظيم.
جمع فقراء اليهود ألف ألف ريال لهذا العمل ولديهم مزيد، وهذا بعدما عمموا
المعارف في طائفتهم، فهل ينشط المسلمون في مصر وهم يقربون من عدد يهود
الأرض لمساعدة الجمعية الخيرية بجمع ألف ألف قرش على إنشاء مدرسة كلية في
القطر المصري؟ ؟
هذا، ومن تصريح الجمعية الصهيونية بمقاصدها السياسية على رؤوس
الأشهاد للصحيفة العبرانية الفرنساوية التي نشرها فرع الإسكندرية في غرة الشهر
لدعوة اليهود إلى سماع الخطب والمناقشات ليلاً في قاعة الملهى العباسي، وقد
اُفتتحت بما معناه بالعربية الصحيحة:
دعوة صهيونية ليهود الإسكندرية
(أيها الإخوان: إن شعبنا ما برح يعلل النفس بأن تكون له أمة (دولة) ولم
يتوان في السعي ولن يتوانى مهما عارضته الصوارف، وناهضته الصوادف، وقد
مضي على أولئك الذين دافعوا الدفاع الأخير عن بيتنا المقدس ألفا سنة، كانت الأيام
فيها تساورنا وتحاول محونا من لوح الوجود، فعجزت بأبنائها عن زلزال عقائد
إسرائيل، وإن قواعد ديننا وأحكام شريعتنا تقضي علينا بأن نستمسك بعروة وطننا
القديم، ونعتقد أن سيعود إلينا مجدنا التليد ومكانتنا السامية، تمزق شعب إسرائيل
كل ممزق، وتفرق شمله في الأرض؛ ولكن بلاد صهيون كانت معهد الارتباط بين
أفراده فهي مأمن السرب، وفرجة الكرب، وبسببها بقينا حافظين للعهود، محافظين
على سنن الآباء والجدود.
إن أعاصير الظلم والاضطهاد وعواصف التعصب والعناد التي تعصف
باليهود لتمسكهم بدينهم - قد اضطرتنا إلى العمل بما تكنه السرائر، وإظهار ما
انطوت عليه الضمائر، والخروج من مضيق الاستعداد إلى فضاء الإيجاد،
فالمشروع الصهيوني يطالبنا الآن بالمبادرة إلى العمل، والمسارعة إلى اتخاذ الحيل
ويحذرنا عاقبة الفتور والكسل، حسبنا أننا مُخْرَجُون (منفيون) من كل مكان،
مبغضون من كل إنسان، يرمينا الشانئ بذلك الوصف الشائن الذي نُبزنا من أجله
بلقب (اليهودي التائه) على حبنا للإصلاح وخدمتنا الجليلة لكل بلاد تبوأناها
وإعلاء شأن المدنية في كل مملكة استوطناها، إذا لا علاج لهذا الامتهان إلا الاتحاد
والاعتصام لتأييد النهضة الملية التي تأسست في النمسا من أفاضل شعبنا لحفظ
حقوقنا المقدسة، وقد أشرعنا الطريق للسير وما بقي علينا إلا أن نسلكه.
إخواننا: عليكم نعتمد في نجاح المشروع الصهيوني في أرض مصر،
فلنسلك مسالك إخواننا في الأقطار البعيدة، فقد مهدوا لنا السبيل، فإذا عضدناهم
فساعة الفوز آتية بعد زمن قليل، ويناجينا الشعور بحاجة بعضنا إلى بعض بأن
ستبادرون إلى إجابة دعوتنا وحضور ليلتنا لسماع الخطب في ملهى (منفراتو)
الساعة ٩ من مساء السبت ١١ الشهر (الإفرنكي) ونحن في انتظاركم شاكرين لكم
سلفًا محبة صهيون)
... ... ... قسم جمعية بارخورشبا الإسكندرية

ماذا عسانا نقول الآن في تنبيه قومنا إلى الاعتبار باتحاد اليهود، وسعيهم
لاسترجاع مجدهم، بل لأن تكون لهم مملكة تقتدي بها جميع الممالك فيكونوا أئمة
للعالمين؟ نعيد بعض ما قلناه في العدد السادس من السنة الأولى عند ذكر خبر
الجمعية ولم يكن أحد يذكر عنهم أنهم يطلبون الملك، إلا ما أشرنا إليه في ذلك العدد
من أنفسنا، ذكرنا يومئذ خبر هذه الحركة الصهيونية عن مجلة المقتطف الغراء
لفوائد بيناها هنالك، نذكر منها هنا الفائدة الثالثة وهي:
(٣) إيقاظ قوم قد رزءوا بالخمول، وكاد يعمهم الذهول، واستلفاتهم (كذا)
إلى الروابط المحكمة بين اليهود مع تفرقهم في الممالك وتشتتهم في الأقطار،
وكيف يمدون سواعدهم لمساعدة إخوانهم ومعاضدة قومهم من وراء البحار وشعوف
الجبال، ولم يصدهم تنائي الديار، عن المواصلة في الأفكار، والتعاون بالدرهم
والدينار، الذي يُحقق به كل أمل، ويناط به كل عمل، فيا أيها القانعون بالخمول
أقنعوا رؤوسكم (ارفعوها) وحدِّقوا أبصاركم، وانظروا ماذا تفعل الشعوب والأمم
أصيخوا لما تتحدث به العوالم عنكم، أترضون أن يسجل في جرائد جميع الدول
فقراء أضعف الشعوب الذين تلفظهم جميع الحكومات من بلادها هم من العلم
والمعرفة بأساليب العمران وطرقه بحيث يقتدرون على امتلاك بلادكم واستعمارها
وجعل أربابها أجراء، وأغنيائهم فقراء ... تفكروا في هذه المسألة واجعلوها
موضوع محاوراتكم لتتبينوا هل هي حقة أم باطلة، صادقة أم كاذبة، ثم إذا تبين
لكم أنكم مقصرون في حقوق أوطانكم وخدمة أمتكم وملتكم فانظروا وتأملوا وتفكروا
وتذاكروا وتحاوروا وتناظروا في مثل هذا الأمر فهو أخلق بالنظر من اختلاق
المعايب، وانتحال المثالب، وإلصاقها بالبرآء، وأحرى بالمحاورة من التذقح
والتجني على إخوانكم؛ فإن في الخير شغلاً عن الشر، وفي الجد مندوحة عن
الباطل {وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَن يُنِيبُ} (غافر: ١٣) اهـ.
هذا ما قلناه من نحو أربع سنين فماذا نقول اليوم؟ لا ينفع القول مهما بالغ
المنذر في البيان، وأدلى بالحجة والبرهان، أو يزول ذلك الوقر من المسامع وتزاح
تلك الغشاوة عن الأبصار، وأعني بالوقر ما ملأ أسماع الناس وقلوبهم من إطراء
الأمراء والحاكمين، وإقناع النفوس بأن سعادة الأمة إنما تفيض من سماء عظمتهم،
فما عليها إلا الاتكال عليهم وتعظيمهم وبذل النفس والنفيس في التقرب إليهم،
وأعني بالغشاوة تلك التمويهات التي يغشُّون بها الجمهور ليطمئن إلى الأقوال،
ويغفل عن نتائج الأفعال، وليس من موضعنا بيان نتائج سياسة كل أمير من أمراء
المسلمين، فمجموعها ما نحن فيه، فإن لم يكونوا هم المبسلين للأمة والمضيعين لها
بسلطتهم المطلقة فلا شك أنهم لم يحفظوها من الإبسال والهلكة، ولا نريد من مقالنا
هذا أن تخرج الأمة عليهم؛ فإن هذا يكون عونًا للأجانب على سرعة الإجهاز علينا
ولكننا نريد أن لا تعتمد الأمة عليهم، بل تسعى بكل ما في طاقتها لتحصيل العلوم
النافعة والثروة الواسعة والتربية الرافعة، فمن كان من أمرائهم محسنًا كانت الأمة
عونًا له إذ هي قوام الملك وعماده، وعدته وعتاده، ومن كان مسيئًا جبروا نقص
إساءته بإحسانهم حتى إذا صاروا أمة حقيقية لها رأي عام قوَّموه أو قوَّموا خلفه
بتقييده بالشرع والشورى سالكين في ذلك الطرق الحكيمة التي لاتُخشى مغبتها، ولا
تُحذر عاقبتها.