للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: محمد رشيد رضا


سماع لبعض كبار التابعين من باب الأدبيات

قال شارح الإحياء عند نقل الغَزالي السماع عن جماعة من الصحابة والتابعين:
وحسبك منهم سعيد بن المسيب وبه يضرب المثل فى الورع وهو أفضل التابعين
بعد أويس وأحد الفقهاء السبعة وقد سمع الغناء واستلذ سماعه! ثم ذكر عن ابن عبد
البر بسنده أن سعيدًا مر ببعض أزقة مكة فسمع الأخضر يغني فى دار العاص بن
وائل وهو يقول:
تضوع مسكًا بطن نعمان إذ مشت ... به زينب فى نسوة خفرات
فضرب سعيد برجله الأرض فقال: هذا والله مما يلذ استماعه ثم قال سعيد:
وليست كأخرى أوسعت جيب درعها ... وأبدت بنان الكف فى الجمرات
وعلت بنان المسك وصفًا مرجلاً ... على مثل بدر لاح فى ظلمات
وفاضت تراءى يوم جمع فأفتنت ... برؤيتها من راح من عرفات
وأثبت الحافظ ابن عبد البر أن هذه الأبيات لسعيد لا للنميرى. أقول:
وقابلْ ما عاب سعيد من توسيع جيوب النساء وإبداء بنانهن بحال نسائنا اليوم، ويوم
جمع: يوم عرفة ثم ذكر شارح الإحياء عن الحافظ ابن طاهر بسنده أن عبد العزيز
بن عبد المطلب قاضي المدينة كان يتغنى بهذه الابيات فى مسجد الأحزاب:
فما روضة بالحزن طيبة الثرى ... يمج الندى جثجاثها وعرارها [١]
بأطيب من أردان عزة موهنا ... وقد أوقدت بالمندل الرطب نارها [٢]
من الخفرات البيض لم تلقَ شقرة ... بالحسب المكنون صاف نجارها
فإن برزت كانت لعينك قرة ... وإن غبت عنها لم يغمك عارها
فقيل له: أصلحك الله أتغني بهذه الأبيات فى جلالك وشرفك؟ ! أما والله
لأحدثن بها ركبان نجد. قال الراوي: فوالله ما اكترث بي , وعاد يتغنى بهذه الأبيات:
فما ظبية أدماء حفافة الحشا ... تجوب بظلفيها بطون الخمائل [٣]
بأحسن منها إذ تقول تدللاً ... وأدمعها تذرين حشوا لمكاحل
تمتع بذا اليوم القصير فإنه ... رهين بأيام الشهور الأطاول
قال: فندمت على قولي له وقلت أصلحك الله أتحدثني في هذا بشيء؟ فقال:
نعم حدثني أبي قال دخلت على سالم بن عبد الله بن عمر رضي الله عنهم
وأشعب يغنيه بهذا الشعر:
مغيرية كالبدر سنة وجهها ... مطهر الأثواب والعرض وافر
لها حسب ذاكٍ وعرض مهذب ... وعن كل مكروه من الأمر زاجر
من الخفرات البيض لم تلقَ ريبة ... ولم يستملها عن تقى الله شاعر
فقال له سالم زدني، فقال:
ألمت بنا والليل داج كأنه ... جناح غراب عنه قد نفض القطرا
فقلت أعطار ثوى فى رحالنا ... وما احتملت ليلى سوى ريحها عطرا
فقلت سالم أما والله لولا أن تداوله الرواة لأجزلت جائزتك فلك من هذا الأمر
مكان. اهـ.