للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: محمد رشيد رضا


فتاوى المنار

النيل والفرات
وتعدية التعزية وأهل الفترة
(س٤-٦) من صاحب الإمضاء في بلدة - العلاقمة - مصر
حضرة الأستاذ العلامة صاحب الفضيلة منشئ مجلة المنار الغرّاء.
سلام عليكم ورحمة الله، أما بعد، فهذه رسالة نذكركم فيها بما أرسلناه إلى
فضيلتكم سابقًا راجين أن تجيبونا عما تتضمنه من الأسئلة بما نعهده فيكم من شافي
الجواب وفصل الخطاب.
الأول: روى الصحيحان من حديث الإسراء أن النبي صلى الله عليه وسلم
قال فيما يحدث عن الجنة: إن بها نهرين ظاهرين هما النيل والفرات، وإن
منبعهما في أعلى سدرة المنتهى، ونهرين باطنين ينبعان من أصل السدرة، وقد
أصبح مما لا ريب فيه أن كلاًّ من النيل والفرات له منابع خاصة، فلا نستطيع
التوفيق بين الحديث وبين ما أثبته العلم الحديث، حتى لقد قال بعض الناقدين في
الحديث من العلماء: إنه موضوع؛ إذ ليس بعد العيان من دليل، وقوى ذلك
اضطراب روايات الحديث خصوصًا ما روي عن أم هانئ أنها صلت مع النبي صلى
الله عليه وسلم العشاء، ثم بات عندها، ومعلوم أنه لم يكن قبل الإسراء عشاء، مع
اتفاق أهل السير على أنها لم تسلم إلا يوم الفتح أو بعده.
الثاني: نقلتم في أحد المجلدين (الرابع أو الخامس) عن إمام اللغة الشيخ
الشنقيطي رحمه الله أن عزى من التعزية بالميت لا تستعمل إلا متعدية بـ (عن)
خلافًا للمشهور من تعديتها بالباء، ولكن العرب قد استعملوها متعدية بالباء، قال
شاعرهم في رثاء محمد بن يحيى (بلسان الندى والجود) :
فقالا أقمنا كي نعزى بفقده ... مسافة يوم ثم نتلوه في غد
الثالث: يكاد أهل السنة يتفقون على أن أهل الفترة ناجون، وإن غيروا
وبدلوا وعبدوا الأصنام، فكيف يتفق هذا مع ما ورد في صحيح مسلم من عدم الإذن
للنبي صلى الله عليه وسلم في الاستغفار لأمه، وما ورد في الصحيحين وغيرهما من
قوله صلى الله عليه وسلم لأعرابي: (إن أبي وأباك في النار) ، وهل ما يروونه في
تعذيب حاتم وامرئ القيس وغيرهما صحيح يعول عليه أم لا، مع ملاحظة عدم قرينة
تدل على تأويل الأب بالعم في الحديث السابق؟ ولماذا لم يكن أبواه صلى الله عليه
وسلم من أهل الفترة الناجين؟ هذا، ونرجو من فضيلتكم عدم إرجائها حتى لا
تحوجونا إلى تذكير آخر، واقبلوا منا في الختام التحية والمودة الخالصة.
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... الأخ المخلص
... ... ... ... ... ... ... ... ... أحمد عطية قورة

الجواب عن الأول:
خروج النيل والفرات من سدرة المنتهى وكونهما من الجنة:
في حديث أنس عن مالك بن صعصعة أنه صلى الله عليه وسلم لما ذكر
سدرة المنتهى قال: (وإذا بأربعة أنْهُر: نهران باطنان، ونهران ظاهران. فقلت:
ما هذا يا جبرئيل؟ قال: أما الباطنان فنهران في الجنة، وأما الظاهران فالنيل
والفرات) ، وفي رواية أخرى لحديث المعراج عند البخاري (فإذا في أصلها أربعة
أنهار) وفي رواية (يخرج من أصلها أربعة أنهار) ، وقد اختلفت الروايات في
سدرة المنتهى، ففي بعضها أنها في السماء السادسة، وفي بعضها أنها في
السابعة، وفي أخرى أنها في الجنة، وقال القاضي عياض: هي في الأرض. وفي
بعض الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم رفع إليها، وفي بعضها أنها هي
رفعت إليه حتى رآها، وفي رواية شريك لحديث المعراج في كتاب التوحيد من
صحيح البخاري: أنه رأى في السماء الدنيا نهرين يطردان، فقال له جبريل: هما
النيل والفرات. فروايات حديث المعراج مضطربة المتن في هذه المسألة
وغيرها، كثيرة التعارض والاختلاف كما بيناه منذ سنين.
والظاهر أن من أسباب الاضطراب والاختلاف في هذه الأحاديث روايتها
بالمعنى، ولم ير جمهور العلماء المتقدمين حاجة إلى ردها بالاضطراب، ولا تأويل
هذه المسألة فيما أولوا، قالوا: لأنها لا تنافي العقل. وفاتهم أنها تخالف ما هو
أقوى من دلالة العقل الذي يكثر غلطه في النظريات وهو الحس، فإن الألوف من
الناس رأوا منبع النيل والفرات بأعينهم، وفي مصر كتاب مطبوع فيه رسم
بحيرات النيل التي ينبع منها ومجراه من أوله إلى مصبه في البحر المتوسط.
قال النووي في شرح مسلم: قال القاضي عياض رحمه الله: هذا الحديث
يدل على أن أصل سدرة المنتهى في الأرض لخروج النيل والفرات من أصلها.
زاد الحافظ في شرح البخاري: وهما بالمشاهدة يخرجان من الأرض، فيلزم منه
أن يكون أصل سدرة المنتهى في الأرض. ورد النووي قول القاضي بظاهر معنى
الحديث، وكونه لا يمنعه عقل ولا شرع، ثم ذكر النووي في شرح حديث أبي هريرة
عند مسلم في المسألة: (سيحان وجيحان والفرات والنيل كل من أنهار الجنة) ،
إن سيحان وجيحان في بلاد الأرمن، الأول نهر أذنه (أطنه) والثاني نهر
المصيصة، ثم نقل عن القاضي عياض في تأويل الحديث أن الإيمان عم بلاد هذه
الأنهار، وأن الأجسام المتغذية بمائها صائرة إلى الجنة، ثم قال: والأصح أنها
على ظاهرها، وأن لها مادة من الجنة. واحتج بحديث المعراج اهـ، وقال
بعضهم: إن المراد بكون النيل والفرات من الجنة هو التشبيه لمائهما بماء الجنة في
عذوبته وحسنه وبركته؛ أي: فوائده على طريق المبالغة، وهذا لا تكلف فيه إذا فسر
به حديث أبي هريرة بأنها من الجنة، ولكن الاستعارة لا تظهر في روايات أحاديث
المعراج إلا بتكلف، ولعل سبب ذلك روايتها بالمعنى، ويسهل الخطب على القول بأن
حديث المعراج كان بيانًا لرؤيا منامية، أو مثالاً لمشاهدة روحية والله أعلم.
***
مسألة تعدي التعزية بالباء:
البيت الذي ذكر السائل في رثاء محمد بن يحيى البرمكي ليس من كلام
العرب، بل لا أصدق أنه من كلام أهل ذلك العصر إلا إذا وجدته مرويًّا في كتب
المتقدمين، على أن الباء فيه لا يتعين أن تكون للتعدية، بل الظاهر أنها للسببية،
أي: أقمنا لكي نعزى بسبب فقده، على أن معاجم اللغة ذكرت الفعل لازمًا لا متعديًا
بـ (عن) ولا بالباء، وللباء وجه قياسي كما علمت.
***
أهل الفترة وأبوا النبي صلى الله عليه وسلم
في نجاة أهل الفترة خلاف مشهور، وقد استثنى المثبتون لها من ورود النص
بأنهم من أهل النار في الأحاديث التي ذكرها السائل وغيرها، وإلا كانت هذه
الأحاديث حجة عليهم، وقد شرحنا مسألة أبوي النبي صلى الله عليه وسلم وأبي
إبراهيم عليه الصلاة والسلام في تفسير {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً
آلِهَةً} (الأنعام: ٧٤) الآية، فيراجع في المجلد العشرين من المنار أو المجلد السابع
من التفسير.
***
كعب الأحبار
س٧ من صاحب الإمضاء في (زنجبار)
حضرة العلامة السيد محمد رشيد رضا المحترم
بعد السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
سيدي سؤالنا عن العلامة كعب الأحبار الذي نسمع بأحاديثه الكثيرة، وكان
عالمًا عند اليهود، ثم أسلم على يد النبي - صلى الله عليه وسلم - وعاش إلى زمن
معاوية، ومات وعمره ٢٠٠ سنة، أهو شخص حقيقي أو وهمي؟
... ... ... ... ... ... ... ... صلاح ناجي الكسادي
(ج) كعب الأحبار شخص حقيقي معروف في كتب الحديث وتواريخها،
وقد اختلفوا في تاريخ إسلامه، قال الحافظ ابن حجر في الإصابة: والراجح أن
إسلامه كان في خلافة عمر. وروي عنه أن سبب تأخر إسلامه أن أباه كان كتب له
كتابًا من التوراة وأمره بالعمل به دون غيره، وختم على سائر كتبه، وعهد إليه
ألا يفض الخاتم، فلما رأى ظهور الإسلام وانتشاره فض الخاتم، فرأى في الكتب
صفة النبي - صلى الله عليه وسلم - وأمته فأسلم، ونقل عن ابن سعد أنه مات
سنة ٣٢، وعن ابن حبان في الثقات أنه مات سنة ٣٤، وأنه بلغ مائة وأربع
سنين، وقد عدلوا روايته، وذكروا أنه روى عنه بعض الصحابة ابن عمر وأبو
هريرة وابن عباس وابن الزبير ومعاوية، ولكن قال فيه معاوية: إن كان لمن
أصدق هؤلاء المحدثين عن أهل الكتاب، وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب.
رواه البخاري عنه في صحيحه، وأوّله بعضهم أن المراد عدم وقوع ما يخبر
به لا اختلاقه الكذب.
***
أفضل النبيين والسؤال بحقه
(س٨ و٩) ومنه حضرة صاحب الفضيلة السيد محمد رشيد رضا المحترم
زيد في مجده، سيدي، السلام عليك ورحمة الله، وبعد، فالمرجو من فضيلتكم أن
تبين لنا الجواب عن السؤال الآتي وهو:
قد نص القرآن الكريم على أفضلية بعض النبيين على بعض في الدرجات، ولم
نر فيه آية تدلنا صريحًا على من هو أفضلهم، وما هو نوع التفضيل، فإذا كان
الأفضل محمدًا، فما الدليل؟ وبماذا كان أفضل؟
ثم إذا دعا أحد هكذا: (اللهم إني أسألك بحق أو بجاه محمد سيد المرسلين أن
تسهل لي رزقي أو تغفر لي ذنبي) ، مثلاً، فهل هذا الدعاء جائز شرعًا، أو يعد
ذلك شركًا؟ أفيدونا أثابكم الله.
(ج) : هنا سؤالان لا سؤال واحد، وإننا نجيب عنهما باختصار لما سبق
لنا في موضوعهما من التفصيل في عدة مواضع:

فضل نبينا على سائر النبيين عليه وعليهم الصلاة والسلام:
الفضل في اللغة: الزيادة، وأفضل الشيئين أو الشخصين مثلاً ذو الزيادة
في الصفات والمزايا والخصائص والأعمال الشريفة التي من شأنهما الاشتراك فيها،
فتكون موضوع التفاضل، فالأنبياء منهم المرسلون وغير المرسلين، والمرسلون
أفضل بما خصوا به من الرسالة، وقد كان كل رسول يرسل إلى قومه خاصة بشرع
مؤقت يليق بحالهم واستعدادهم للهداية، حتى استعد جميع البشر للهداية الكاملة العامة،
فبعث الله محمدًا خاتم النبيين للناس كافة، وأكمل به دينه الذي بعث به من سبق من
رسله، وأتم نعمته عليهم، فكان رحمة عامة للعالمين، وإنما تكمل الأشياء بخواتيمها،
فكان أفضلهم بعموم بعثته وشمول هدايته وكمال الدين على لسانه ويده وحفظ كتابه
وآيته، وهذه مزايا تتعلق بموضوع الرسالة، والقرآن ناطق بكل منها، ولهذا قال في
تفسير قوله تعالى: {وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ} (البقرة: ٢٥٣) أنه هو المراد
بالبعض، والتلميح قد يختار على التصريح إذا كانت قرائن الحال معينة له، وقال
شيخنا الأستاذ الإمام: إن نكتة ذكره بين موسى وعيسى عليهم الصلاة في قوله:
{تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا
عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ القُدُسِ} (البقرة: ٢٥٣) هي التنبيه لكونه
هو الوسط، كما قال: إنه جعل أمته وسطًا، وخير الأمور أوساطها. وقد كانت
شريعة موسى مشتملة على المبالغة والشدة في الأحكام الجسدية والأمور المادية،
وتعاليم عيسى مشتملة على المبالغة في أحكام الزهد والمواعظ الروحية، فجاءت
شريعة محمد وتعاليمه وسطًًا في كل منهما، كما بيناه بالتفصيل في مواضع من التفسير
وغير التفسير من أبواب المنار، ولما كانت أمم الرسل المعروفة في زمن بعثته
محصورة في أمة موسى وعيسى، كان ذلك من أقوى القرائن اللفظية على أن من
رفعه الله درجات هو النبي الذي بعث بعدهما؛ لأن حمله على نبي انقرضت أمته ولم
يبق أثر لشريعته بعيد وغير مفيد، وتتنزه بلاغة القرآن وهدايته عن ذلك.
سؤال الله بحق خاتم رسله وجاهه
سؤال الله تعالى ودعاؤه هو روح العبادة وركنها الأعظم، والقاعدة التي تلي
توحيد الله، وعدم إشراك أحد معه في العبادة هي أن عبادته تكون بما شرعه سبحانه
فقط؛ أي: اتباعًا لا ابتداع فيه، ولم يرد في كتاب الله ولا في سنة رسوله المتبعة
التي صحت بالنقل والعمل عن السلف الصالح أن يسأل سبحانه شيئًا بحقوق أحد من
خلقه عليه، وإن كان من عباده المكرمين الذين جعل لهم حقًّا عليه جزاءً على
أعمالهم، ولا بجاهه عنده، وإن ثبت أنه جعل له وجاهة، فهذا السؤال إذًا بدعة
ولكنه ليس شركًا في هذه العبادة؛ لأن السائل قد توجه فيها إلى الله ودعاه وحده،
ولكنه ابتدع في دعائه بدعة أراد أن تكون سببًا لإجابة السؤال، وهي إدخال شيء
في العبادة لم يأذن به الله بنص ولا فحوى، بل يدل الشرع والعقل على بطلانه، ذلك
بأنه ليس لأحد على الله تعالى حق إلا ما جعله هو له بفضله، وإن كان جزاء على
عمله فإثابته لعبيده فضل منه عليهم كما ثبت، وقد ورد في الصحيح من أن حق الله
على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وحقهم عليه إذا فعلوا ذلك أن يدخلهم
الجنة، فهذا الحق لزيد العابد المخلص لله تعالى لا يصح أن يكون سببًا لإجابة
سؤال عمر وشفاء مرضه، أو توسيع رزقه أو مغفرة ذنبه؛ لأن من أصول دين الله
المعقولة {أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى * وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى} (النجم:
٣٨-٣٩) ، وكذلك ما جعل الله من الوجاهة بفضله لموسى عليه السلام، إذ قال
فيه: {وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهاً} (الأحزاب: ٦٩) لا يعقل أن يكون سببًا لمثل ذلك،
فالله تعالى قد جعل لكل شيء سببًا، وليست هذه الوجاهة ولا تلك الحقوق من
أسباب ما ذكر، على أنها لو كانت منها لما صح أن تدخل في العبادة إلا بإذن منه
تعالى كما أذن بغير زيادة ولا نقص، نعم إن من الجاه والوجاهة الشفاعة وهي من
أسباب المغفرة، ولك أن تسأل الله أن يجعلك أهلاً لشفاعة رسوله ويغفر لك بها،
ولكن لم يرد أنها سبب لمصالح الدنيا، ولم يكن الصحابة يطلبون من النبي - صلى
الله عليه وسلم - عند قبره ولا في حال البعد عنه في حياته أن يشفع لهم في شفاء
مرض ولا دفع ضرر ولا نزول مطر، ولا يسألون الله ذلك بجاهه - صلى الله عليه
وسلم - وقد طلبوا من عمه العباس أن يستسقي لهم بعده بدلاً من استسقائه.
ولو كان هذا من عبادتهم لتواتر عنهم أو اشتهر برواية الشيخين وأصحاب
السنن؛ لتوفر الدواعي على ذلك.
فإن قيل: إن شرع ما لم يأذن به الله قد عد من الشرك، وعد من يقبله
ويعمل به من متخذي الشركاء والأرباب من دون الله في قوله تعالى: {أَمْ لَهُمْ
شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} (الشورى: ٢١) وقوله عز
وجل: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ} (التوبة: ٣١) الآية،
وقد فسر في الحديث المرفوع اتخاذهم أربابًا بطاعتهم فيما يحلون لهم ويحرمون
عليهم، وطالما كرر المنار هذه المسألة، وفي تفسير هذا الجزء قول مفصل فيها.
قلنا: إن السؤال وارد، ولكن يفرق في مثله بين تنقيح المناط وتحقيق المناط،
فإن الشيء قد يكون بمقتضى الدليل شركًا أو كفرًا، ولا يعد كل من فعله مشركًا أو
كافرًا، كما نقلناه عن شيخ الإسلام (ص١٢١ ج٢) ، ولا يسأل ذلك السؤال من
يقوله من المسلمين إلا وهو يظن أنه مشروع، بتقليد، أو شبهة دليل على صحته،
كبعض الأحاديث الموضوعة أو الضعيفة التي لا تدل عليها النصوص من هذا
القبيل، ولم يكفر السلف مسلمًا بها، كما فصلناه في الأجزاء التي قبل هذا، ومنهم
من يدخل هذه المسألة في باب الإقسام على الخالق بالمخلوق، وقد صرح الحنفية
بكراهته، قال أبو يوسف: وأكره أن يقول: بحق فلان أو بحق أنبيائك ورسلك
وبحق البيت الحرام والمشعر الحرام. والمراد كراهة التحريم، وقد فصل القول
في هذه المسألة شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه (التوسل والوسيلة) وهو مطبوع
نقلنا بعض أقواله في المجلد الثاني عشر من المنار وغيره، فليراجع السائل ذلك في
موضعه.