للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: محمد رشيد رضا


الاحتفالات بالدستور العثماني

احتفل العثمانيون عامة بالدستور في بلادهم، وفي كل بلد يضم طائفة منهم،
في مشارق الأرض ومغاربها، وقد كان السرور بالدستور مدرسة للتربية والتعليم،
تعلم فيها ألوف من العثمانيين الخطابة، وتربوا على الوفاق والمحبة، ولكنها كانت
مدرسة لا كالمدارس: كان تعليمها يشبه الوحي، وتربيتها تشبه الآيات والمعجزات،
فإنها قد علمت الخلق الكثير في يوم واحد، وربت الشعوب المختلفة في الأجناس
واللغات والأديان والمذاهب والتقاليد والعادات في ساعة واحدة.
لو صافح المسلمون النصارى في سلانيك والآستانة ومصر فقط، لكان لقائل
أن يقول: إن ذلك أمر طبيعي، حصل بالسعي في الزمن الطويل، فإن أحرار
العثمانيين الذين على هذا الرأي كثيرون جدًّا في هذه البلاد، وهم يسعون له من قبل،
ولو وافقهم مثل أهل بيروت والشام، لقال ذلك القائل: إن أهل هذين البلدين على
مقربة من أهل هاتيك البلاد، فيما ذكر من وجود الأحرار العقلاء المحبين للإصلاح
فيهم، ومن وقوفهم في أقرب وقت على ما كان من إخوانهم في هاتيك الأمصار التي
سبقتهم عملاً وسعيًا إلى ذلك، فلم يلبثوا أن جاوروهم أو اتبعوهم.
ولكن ماذا يقول ذلك القائل في موافقة عمل أهل جدة (ثغر الحجاز) , وأهل
البرازيل وأهل الأرجنتين لعمل أهل الآستانة وسلانيك ومصر والشام والعراق في
وقت واحد، وهم لا يعلمون من أمرهم في ذلك شيئًا.
كتب إلي وجيه من مسلمي جدة كتابًا يشرح فيه ما كان من أمر أهلها في
الاحتفال بالدستور، على الرغم من والي الحجاز راتب باشا الظالم الملحد في الحرم،
الذي كان يومئذ فيها كاتمًا للدستور، ثم مثبطًا للهمم عن الاحتفال به، بعد أن
أعلنته للناس جمعية الاتحاد والترقي. فقد قال الكاتب: إن المسلمين والنصارى قد
تزاوروا وتعانقوا في ذلك الاحتفال، وطفق كل فريق يهنئ الآخر. وذكر أمورًا
أخرى منها حسن تأثيره في نفوس الأعراب، ومنها بعض مفاسد الوالي واتفاقه مع
الأمير الشريف. وقد أوقَفَنَا على هذا الكتاب بعض محرري الأهرام والمقطم،
فلخصوه في الجريدتين.
وكتب إلينا جورج أفندي حداد، مؤسس شعبة جمعية الشورى العثمانية في
البرازيل، كتابًا في الاحتفال الذي قام به العثمانيون في سان باولو، قال فيه: إن
الأرمن الذين هنا لم يكونوا يكلمون السوريين ولا يعاشرونهم، فلما جاء نبأ الدستور
أقبل بعضهم على بعض متعارفين متوادّين وانتظم موكب الاحتفال من المسلمين
والدروز والنصارى من الأرمن والسوريين وغيرهم. فهل يمكن أن يكون هذا وذاك
بتواطؤ أو تقليد؟ وذكر أنه اجتمع للقيام بالاحتفال نحو ألفي سوري، ومائة أرمني
في أعظم مرسح في سان باولو، وكانت الموسيقى العسكرية تشب من نار حماسهم،
وتضاعف سرورهم وجذلهم، ثم انبرى للخطابة فريق منهم، وخطب هو أيضًا
بالأصالة عن نفسه وبالنيابة عن إخوانه الأحرار، مؤسسي جمعية الشورى العثمانية
في مصر، قال: (ثم سار الموكب، تتقدمه الموسيقى، وهو رافع راية عثمانية
كبيرة جدًّا، صنعت لهذا الاحتفال خاصة، إلى دار القنصلية العثمانية، ومذ
أبصرهم القنصل، رفع الراية العثمانية، وجعل يحييهم بها، وقد صعد أعضاء
لجنة الاحتفال إلى مكان القنصل، وهنأه بعضهم وقدم إليه عريضة طولها ٨٠
سنتمترًا وعرضها ٥٠ فحواها الشكر للسلطان على رضاه بإعادة نشر القانون
الأساسي، ونيل شعبه للحرية، وبينا كان القنصل يخاطب الأعضاء، طلب
الجماهير منه أن يشرف عليهم من إحدى النوافذ، ويظهر أن الرجل من أرباب
الحزب المحافظ، وممن تأصلت في نفوسهم الكبرياء؛ لأنه لم يحفل بالطلب، ولم
يلب النداء، فهاج الناس واضطربوا وصاحوا: إن مولانا السلطان خاطب الشعب
من النافذة مظهرًا الرضا والسرور، فكيف تأبى ذلك، وأنت من صغار مستخدمي
دولتنا العَلِيَّة؟ فاضطر القنصل لمخاطبتهم والاعتذار إليهم، ثم تركوا دار القنصلية,
وطفقوا يطوفون بالشوارع العظيمة، والحاصل أن هذا الموكب المؤلف من هذه
الفرق التي كانت تحتدم في نفوسها نار العداوة والبغضاء وكره الواحدة منهن للأخرى،
كان من أجمل المناظر التي تسر بها النفوس، وتغبط لها القلوب) .
وجاء في جريدة أبي الهول البرازيلية في ختام كلامها عن هذا الاحتفال ما
نصه:
اهتمت الصحافة البرازيلية والطليانية بالمظاهرة وذكرتها بالثناء والتكريم،
وجرائدنا العربية لم يهتم منها بالحفلة إلا الميزان. فالأفكار ذكرتها بأقل مما تذكر
عن حفلة إكليل، وطلبت من الله في الختام أن يجعل الحرية طويلة المكث في ديارنا!
والدستور ثابت القرار في وطننا! وصاحب الأفكار لم يحضر الحفلة، وهكذا
محرر المنارة الذي اهتم بالمظاهرة الخارجية أكثر من المظاهرة الداخلية اعتقادًا منه
أن الأخيرة غير لازمة!
وقد اهتم جناب الأديب إلياس أفندي مسرة بالأمر وطير الخبر تلغرافيًّا إلى
جريدته في باريس، فاستحق الشكر. وتكرم جناب الشيخ سابا الخوري نزيل الريو،
فأفاد اللجنة أن شركة هافاس نقلت الخبر إلى لندن ثم إلى بقية العواصم الكبيرة.
وقد شارك إخواننا الأرمن نزلاء سان باولو بهذا الاحتفال الذي كان فريدًا في
عظمته، ويتيمًا في محاسنه.
وفي الختام نثني بلسان الحرية على اللجنة التي رتبت هذه المظاهرة، ونشكر
الخطباء الذين حركوا في صدور الجمهور الحماس، ونهنئ الشعب السوري في هذا
العيد الكبير، عيد الحرية والمساواة.
ولاتزال جرائد أمريكا الشمالية والجنوبية تأتينا وهي ملأى بذكر الاحتفال
بالدستور في معظم الولايات والأرجاء الأمريكية، واشتراك جميع الطوائف والملل
في ذلك، وهذا يؤيد ما ذهبنا إليه في صدر هذا المقال.
وكتب إلينا من المفازة في بلاد السودان محمد أفندي كمال الدين عدره سرتجار
البندر يقول: إنه طاف بالناس بعد علمه بنبأ الدستور ودعاهم إلى منزله للاحتفال
ببعثة الدستور من قبره، فلبى دعوته خلق كثير من السودانيين، وأشخاص من
السوريين الموظفين في الحكومة، فتلا عليهم خطابًا ألم فيه بماضي الدولة المظلم،
وما يرجى لها من النجاح والفلاح في المستقبل، وشكر لرجال الأحرار الذين كانوا
مبثوثين في البلاد الحرة، ومشتتين في أصقاع المعمور، يسعون فيما اختطوه
لأنفسهم وجعلوه نصب أعينهم حتى رجعوا إلى بلادهم وألوية النصر تخفق فوق
رؤوسهم، وجنود الظفر تحيط بهم.
ثم قام بعده طاهر أفندي الخانجي باشكاتب المركز، وشكر للحاضرين تلبيتهم
الدعوة للاحتفال بالدستور، وطلب من صاحب الدعوة بلسانه ولسان الحاضرين أن
يكتب لرئيس الأحرار، مهنئًا بهذا الفوز العظيم، فأجاب الجمهور بأنه يعرف من
رجال الأحرار صاحب المنار، وأنه سيكتب إليه بما رغبوا، فهتفوا جميعهم للمنار،
وبعد ذلك انفرط عقدهم وهم مسرورون بهذه الحال، شاكرون للداعي إلى الاحتفال.