للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: محمد رشيد رضا


تربية أمراء العرب قبل الإسلام
وكيف نستفيد منها في هذه الأيام

(وجدت هذه الرسالة فيما لديَّ من أوراق شيخنا الأستاذ الإمام، فرجوت أن
يكون الانتفاع بنشرها الآن أعظم مما كان في عهد من كتبها، وهو كما أظن أستاذ
التربية والتعليم البصير حسن أفندي توفيق المصري رحمه الله وهذا نصها) :

السؤال
ما الذي كانت عليه أمراء العرب قبيل الإسلام، حسبما تفيده أوصافهم المشروحة
في قول الحطيئة:
يسوسون أحلامًا بعيدًا أنّاتها ... وإن غضبوا جاء الحفيظة والجدُّ
أقلُّوا عليهم لا أبًا لأبيكم ... مَن اللوم أو سُدوا المكان الذي سَدُّوا
أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البنا ... وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا
وإن كانت النعماء فيهم جزَوْا بها ... وإن أنعموا لا كدَّروها ولا كدُّوا
مطاعين للهيجا مكاشيف للدُّجى ... بنى لهم آباؤهم وبنى الجدُّ
ويعذلني أبناء سعد عليهم ... وما قلت إلا بالذي علمتْ سَعْدُ
وكيف يستفاد من هذه الأبيات أنواع التربية؟ وما هي الطرق العمومية لأجل
الوصول إلى مثل هذه التربية وتكميلها في أمتنا بواسطة المدارس خصوصًا.
***
الجواب
كانت تربية أمراء العرب قبل الإسلام كما ترشد إليه أبيات الحطيئة على أن
يتخرج أولئك الأمراء متوفرة فيهم الشروط التي تؤهلهم إلى سد الأمكنة التي
يشغلونها من المجتمع الإنساني في عصرهم.
وتلك الشروط أوجبتها حالة اجتماع القبائل الذي كان قد أخذ يتقدم تقدمًا عظيمًا
في ذلك الوقت، وذلك لأن من شأن المجتمعات لما تكبر أنها تكون موجهة لجملة
أمور:
(الأول) كما تكون ذريعة لاتساع الحضارة والعمران، تكون سببًا لازدياد
العلوم وانتشار المعارف، ضرورة تبادل الأفكار بين أفراد الجمعية، وتجدد الأمور
التي يقتضيها الترقي في المدنية، ومن المعلوم أنه لا يتم نظام جمعية قلَّت أو
كثرت، إلا إذا كان على رأسها سادة يرجع إليهم الأمر في الحل والعقد، والنقض
والإبرام، وأنه لا يتهيأ لها نجاح في أمورها إذا تولى رئاستها من لا علم لديه.
لا تصلح الناس فوضى لا سراة لهم ... ولا سراة إذا جُهَّالهم سادوا
فاقتضت حالة الاجتماع التي كانت عليها العرب قرب الإسلام أن يكون
لجماعتها المتنوعة رؤساء يقومون بالمصالح العامة، وأن يكون أولئك الرؤساء
لديهم كفاية من المعلومات يتنورون بها في تصرفاتهم، ويهتدون بها في سائر
أحوالهم.
ومن أجل ذلك لزمت تربيتهم تربية فكرية، لائقة بمنزلتهم بين أبناء جنسهم،
ومناسبة للمعروف الجميل في عصرهم.
(الثاني) لما كانت الكبيرة مسببة لعظم الاختلاط بين الناس، وداعية إلى
كثرة العلاقات بينهم، وتتولد عنها الفرص العديدة التي يتمكن فيها الإنسان - إذا
أُهمِل وطبيعته - من الاسترسال في الأهواء المستبدة، والشهوات المهلكة، ومن
التستر على أحواله الخارجة عن حدود الاعتدال، وكان ذلك من دواعي الاختلال
في نظام الاجتماعات - وجب اتباعًا للحكمة ورفقًا للمصلحة، أن يُعود أفراد
الجمعيات على محاسن الأعمال، وخصائص الأخلاق.
ولما كانت الخاصة أسوة العامة في السلوك الإنساني، وكان رؤساء كل
جماعة أول مُطالب باستئصال عروق الشر والفساد، وتمكين أسباب الخير
والصلاح - اقتضت حالة الاجتماع العربي قبيل الإسلام أن يتصف أمراء القبائل
بأكمل ما يرام من الآداب التي يستحقون بها أن يكونوا قدوة لمرؤوسيهم، وأن يكون
لديهم ما يتمكنون به من حمل أقوامهم على الانتظام في الأمور، وحسن السير في
المعاملة، ومن ثم كانوا يرون من المتحتم عليهم أن يكونوا متربين (تربية أدبية)
لائقة بمقامهم، وموافقة لمألوفات قومهم.
(الثالث) عظم المجتمعات ينشأ عنه زيادة حاجات المعيشة، وبسبب تعاون
الأيدي واشتراكها في تحصيل المنافع، تكثر الخيرات وتتوفر أمتعة الحياة،
ويتضح من ذلك أن أهل الدعة والمحبين لأنفسهم، الساعين في منافعهم الشخصية،
يأخذون في تسخير الناس لقضاء حوائجهم من غير أن ينفعوهم بشيء، وأن
الأقوياء والماكرين يطمحون بأطماعهم إلى ما في أيدي الناس واغتصابه منهم بالقوة
إذا أمكن، أو انتزاعه منهم بالحيلة، ومُمانعتهم عنه بكل ما يمكنهم من الطرق؛
ولهذا كان من الضروري للعائش بين قوم أن يكون صحيح الجسم، قوى البدن، ذا
بأس شديد، حتى يتأتى له أن يعمل ما ينفع وينتفع به، ولكي إذا اضطرته الحالة
يمكنه المدافعة عن نفسه ونفيسه ممن يتعدى عليه، وكان من أقصى الواجبات على
من يرصدون أنفسهم لتولي أمور الجمهور أن يتخذوا الوسائل التي يكونون بها من
الأصحاء الأقوياء الأشداء، ليقوموا بواجب حماية الضعفاء ونصر المظلومين،
وحفظ حقوق الناس، ومنع أسباب التعدي من بينهم، وقد علم أمراء العرب
بالتجارب هذه الغاية، فأوجبوا على أنفسهم (تربية جسمية) تعدُّهم لحماية أقوامهم،
وتمكين الأمن بينهم.
فذلك ما كانت عليه تربية أمراء العرب قبيل الإسلام حسبما ترشد إليه
أبيات الحطيئة.
فكانت إذن على أنواع ثلاثة:
(١) تربية فكرية.
(٢) تربية أدبية.
(٣) تربية جسمية.
فأما التربية الفكرية
فقد جلى نورها في قوله:
(مكاشيف للدجى)
إذ هو عبارة عن أنهم عارفون بالأمور معرفة تامة، مبينون لها تبينًا كاملاً،
فالواحد منهم فضلاً [١] عن أنه نير في نفسه منور لغيره.
إذا قال لم يترك مقالاً لقائل ... بملتقطات لا ترى بينها فصلاً
كفى وشفى ما في النفوس فلم يدع ... لذي إربة في القول جدًّا ولا هزلاً
لأن العلم المتمكن أشبه بالضوء الساطع الذي يشرق على الأشياء فيجعلها في
غاية الظهور حتى للضرير، والجهل المطبق أشبه بالظلام الذي يتراكم عليها
فيصيَّرها في نهاية الخفاء حتى على البصير، كما قيل:
العلم نور، والجهل عمى ...
وقد لخص خلاصتها في قوله:
أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البنا ...
حيث هو عبارة عن أنهم لا يشرعون في أمر من الأمور إلا أحكموه تمام
الإحكام، فإن الأمر المحكم الذي لا يقبل النقض مدى الأزمان، كالبناء المتقن الذي
لا يتهدم على توالي الأيام، ولا شك أن إبرام الأمور على أحكم نظام يحتاج إلى
علم راسخ وتبصر تام.
***
وأما التربية الأدبية
فقد أودع ثمرتها في قوله:
يسوسون أحلامًا بعيدًا أناتها ... وإن غضبوا جاء الحفيظة والجد
وفي قوله:
وإن كانت النعماء فيهم جروا بها ... وإن أنعموا لا كدروها ولا كدوا
حيث أفاد أنهم يسلكون مع الناس على مقتضى العقل، ويعاملونهم بالحلم،
ولا يغضبون عليهم إلا في الجد، ويثمر فيهم المعروف، ويحلو منهم الجميل.
تخالهم للحلم صمًّا عن الخنا ... وخرسًا عن الفحشاء عند التهاتر
ومرضى إذا لاقوا حياء ومنة ... وعند الحروب كالليوث الكواسر [٢]
لهم عزُّ إنصاف وذل تواضع ... بهم ولهم ذلّت رقاب العشائر
كأن بهم وصمًا يخافون ثاره ... وليس بهم إلا اتقاء المعاثر [٣]
أليست هذه مكارم الأخلاق وخصائص الآداب؟

وأما التربية الجسمية
فقد أجمل أثرها في قوله: (مطاعين للهيجا) لأنه لا يجيد الطعان عند
احتدام القتال إلا مَنْ كان له جسم شديد، وقلب من حديد.
وترى الفوارس من مهابة رمحه ... مثل البُغاث خشين وقع الأجدل

الطريقة
التي كانت متخذة في التربية العربية
كانت طريقة تربية العربي طبيعية عملية، بمعنى أن العرب بنوها على
مقتضى طبيعة الإنسان، وطبيعة الأشياء التي يمكنه أن يعلمها، وسنأتي على
تفصيل هذا المعنى بعد إن شاء الله تعالى.
وكانت تلك الطريقة متبعة في جميع أنواع التربية.
***
أما في التربية الفكرية
فكان العربي يدرس على نفس الأشياء، تتمثل له بذاتها، ويتصورها بنفسه،
ويحكم فيها بعقله، ويجربها بشخصه، فيصفها عن مشاهدة، ويقضي فيها على
بصيرة، ويستعملها عن تجربة.
وكان يمشي في طول الأرض وعرضها، فيصعد الجبال والآكام، ويجوب
البراري والقفار، يعبر الأنهار، ويشرف على البحار، وينزل في القرى
والأمصار، فكان يعرف البلاد في مواضعها، ويطلع على الأراضي في مواقعها.
وكان يحضر النوادي، ويسمع فيها أخبار الأولين وسير الماضين، من
أفواه المعمرين والعالمين بأيام الناس، ويشاركهم برأيه في استحسانها أو استقباحها.
وكان يُحصي عدة الأشياء بعقله، ويحسبها جمعًا وتفريقًا في نفسه، وكان
يرسم أشكال الأشياء في ذهنه، ويقدَّر الأبعاد والمسافات بنظره.
وكان يتلقى اللغة حية صحيحة عن أهلها، فكان يسمع الكلمات بأُذنه،
ومعانيها حاضرة لحواسه أو متمثلة لعقله، وكانت تصور له الأشياء البعيدة عن
حسه، أو الغريبة عن عقله، بمشابهاتها المحسوسة له أو المعروفة لديه، وتطرق
مسامعه الأساليب الكلامية البديعة، التي يرى تأثيرها في الناس ولطف مأخذها
بقلوبهم، وحسن مدخلها على أفهامهم، فكان يتلقن اللسان العربي المبين عن أرباب
البلاغة العظيمة، فيحاكيهم في البيان، ويجادلهم في القول، ويسابقهم إلى الإبداع
والاختراع.
***
وأما في التربية الأدبية
فكان يتأدب بآداب القوم الذين يعيش بين ظهرانيهم على وجه التأسي بهم،
فكان يرى القناعة غالبة عليهم فيتخلق بها، ويجد العفة سائدة فيهم فيتحلى بها،
وينظر إلى الكرم وهو منتشر فيهم فيتخذه شيمة له، وهكذا في سائر الأخلاق والشيم،
كان يوجبها على نفسه اقتداءً بأفعالهم وأحوالهم، واتباعًا لما يصدر عنهم من
الحكم الساطعة، وعملاً بما يضربونه من الأمثال السائرة.
***
وأما في التربية الجسمية
فكان نفس إقليم العرب وأحوال معايشهم حاملة للناشئ بينهم على مباشرة
الأعمال التي تُكسبه قوة الجسم، وصلابة الأعضاء، وخفة الحركات، ما بين
انتجاع للمرعى، وارتياد للماء، وسفر لمبادلة المنافع، وما يقتضيه الحل والترحال،
من تحميل الأثقال وتنزيلها، ونصب البيوت وتقويضها، وسلوك السهول
والأوعار في برد الليل وحر النهار، ولا يخفاك ما يلزم من البأس الشديد لمن
يعيش بين الحيوانات الضارية والسباع الكاسرة، ومن يكون عرضة في كل وقت
للإغارات التي تسوقها الأطماع؛ ولذلك كان العربي دائمًا في التمرن على المجالدة
أو المصارعة أو المجاراة أو المطاردة، أو الفروسية وركوب الخيل، أو غير
ذلك من الأعمال التي تجعل الجسم كالحديد، والأعضاء في حركاتها أسرع من
الريح الشديد , ثم إنه كانت تتربى له من كثرة مشاهدة الحروب، وطول مجاورة
الليوث، جراءة وبسالة وقوة نفس، لا يخاف معها لا من مخالب الأسود ولا من
أسلحة الصناديد.
***
الطريقة التي كانت متبعة
في التربية العربية
وبيان أنها طبيعية عملية
من نظر في طبيعة الإنسان ومعلوماته، وكان له معرفة بالتجارب الإنسانية
يجد بين ذلك وبين الطريقة التي كانت مستعملة في التربية العربية تمام الموافقة.
أما في تربية العقول
فلأن الإنسان بالطبع إنما يحصل على المعارف الأولية من طريق الحواسّ،
وعقله دائمًا في احتياج إلى التغذي بالمعلومات التي تصل إليه بواسطتها.
فكلما كانت حواس المرء أكثر تناولاً للأشياء وأعظم تمييزًا لأوصافها
وأسرع وصولاً إلى دقائقها - كان المرء أوسع علمًا وأحدَّ ذهنًا، وأكمل نباهة.
ومن أجل ذلك كان العربي يطّلع بقدر استطاعته على الأشياء بذاتها، ويتمرن على
اكتشاف أسرارها بنفسه، فكان ينشأ غزير المعرفة قوي التصور شديد الفطنة.
ومن (القواعد المقررة) أنه كلما كان العقل أكثر عملاً بنفسه في تصور
الأمور والحكم عليها، كان أقوى حصولاً على المعارف وأمضى نظرًا في
المعلومات، وأقرب إصابة للحقائق. وهذه هي الحكمة في اتخاذ العرب طريقة
الإرشاد في تربية أفكارهم، فكان العربي يقدر على استعمال عقله دائمًا في كل ما
يريد معرفته، وبسبب هذه العادة كان ينفر عن تلقي المسائل تلقينًا صرفًا وقضايا
مُسلَّمة. وإذا مشى مع آراء الناس فلحد ما يعرف سيرها وغايتها، فإن وجدها
مصيبة، وإلا اتبع الصواب. ولذلك كان ينشأ متوقد القريحة، ثاقب الفكر، صائب
الرأي، وزيادة على ذلك أنه لما كان يشغل عقله كان يجد سرورًا من وقوفه بنفسه
على الحقائق، ولذا كان عظيم الشوق إلى المعارف.
(وخلاصة الكلام) أنه لما كان من طبيعة العقل الإنساني العمل بنفسه،
واكتساب المعلومات، إما بواسطة الحواس، وإما بشغله الذاتي، وقد علم بالتجربة
أنه يقوى بالتمرن والتدرب - رأى العرب من الواجب أن تكون الطريقة في تربية
عقولهم إِطْلاعها على الأشياء، وإرشادها إلى كيفية العمل في الحصول على
المعارف، وتمرينها ما أمكن على الشغل بنفسها. وبما أن اللغة بطبيعتها عبارة عن
ألفاظ موضوعة بالاصطلاح للدلالة على المعاني التي يمكن أن تتناولها الأفكار؛
فمن الضروري لمن يريد التكلم بإحدى اللغات أن يقف على أنواع ألفاظها المفردة
والمركبة، وما تدل عليه من المعاني المتنوعة، وبالطبع لا يحصل المرء على
النجاح في اللغة إلا بثلاثة شروط.
(الأول) أن يُلقن مبانيها على وجه الصحة والصواب ليجتنب الأغلاط
اللسانية.
(الثاني) أن يُلقن ألفاظها عند قيام معانيها بذهنه، حتى يكون عنده الارتباط
محكمًا بين الدوالّ والمدلولات، فيأمن اللبس الناشئ عن استعمال المفردات أو
التراكيب في غير ما تُستعمل فيه.
(الثالث) أن يتمرن كثيرًا على محاكاة ما تلَّقاه لتتربى له ملكة النطق على
الهيئة المعروفة فيها، وأن يتعود اختراع الأساليب الكلامية ليكون محاكيًا للغة
بعقل، متصرفًا فيها بفهم، غير محتاج إلى تلقين مستمر.
(فالطريقة) إذن في تعليم اللغة هي التلقين الصحيح، والتعويد على المحاكاة
التعقلية، وعليها جرى العرب.
***
وأما في تربية الآداب
فقد دَلَّ النظر في طبيعة الإنسان على أنه - خصوصًا في ابتداء نشأته - يتَّبع
أكثر مما يبتدع، وتقليداته أكثر من عندياته، وذلك لقلة معرفته بالأمور، وقصور
عقله عن التمييز بين محاسن الأشياء ومساويها. وأفادت التجارب أن طول التعود على الشيء يلحقه بالطبائع؛ فرأى العرب من الحكمة في تربية الأدب أن يكون
للناشئ بينهم أسوة حسنة فيهم، حتى يتعود من صغره على مكارم الأخلاق، فإذا شب
وكبر عقله وجد فيما تعود عليه مثالاً واضحًا للنصائح الأدبية التي تتناثر عليه حينئذ
من أفواه قومه.
***
وأما في تربية الأجسام
فقد رأوا أنه لا طريق لنماء الأبدان وصحتها غير سياسة البطون، ولا سبيل
إلى القوة وشدة البأس غير رياضة الأجسام، ولا وسيلة إلى إشعار القلوب بالجراءة
إلا اقتحام الأخطار، فعملوا على مقتضى ما علموا.
فقد تبين أن الطرق التي كانت تستعملها العرب في التربية طبيعية عملية،
وهذه الطريقة هي التي يؤيدها العقل وتشهد بصحتها التجارب،وقد تكفلت بالنجاح
لكل من يستعملها. ومن يبغي الوقوف على نتيجة اتباعها في تربية الأخلاق
والأجسام، فليطّلع على حال العرب وسِيَرهم، ومن يحب أن يعرف نتيجة اتباعها في
تربية العقول، فليطالع المنشآت العربية شعرًا ونثرًا، ويتفهمها جيدًا، فإنه يجد فيها كثيرًا من العلوم العالية، التي لا يصل إليها إلا فحول أهل المعرفة والدراية.
ولنسُق مثالاً لهذا الأمر الأخير بعض أبيات الشعر الذي هو موضوع كلامنا،
وننظر إلى الأفكار التي يتضمنها والأساليب التي صيغت عليها معانيها، فإليك
أول بيت منه وهو:
يسوسون أحلامًا بعيدًا أناتها ... وإن غضبوا جاء الحفيظة والجد
عَبَّرَ فيه عن ثلاث صفات للقوم وهي: الحلم المصلح، والغضب الجد،
والعقاب المؤلم، فالصنفان الأولان من المعاني التصورية التي يعرفها الإنسان (في
نفسه) بالوجدان، ويفهمها (من غيره) بالعلامات التي تدل عليها، فعلامة الحلم
السكينة والرزانة مع قيام أسباب الاستفزاز، ومع القدرة على تعجيل الإيقاع
والانتقام، ولا بد من تكرر الأحوال التي تظهر فيها هذه العلامة حتى يصل العقل
بنظره الاستقرائي إلى أن ما وراءها هو الحلم لا العجز، وعلامة الغضب تتبين في
الحركات وتظهر على الوجه، وبالأخص في العينين، ويفهمها الإنسان من أول
وهلة، ومن غير نظر ولا تروٍّ، غير أنه لا بد من التأمل في أسباب الغضب في
كل مرة يحدث فيه، حتى يستنتج أنه إنما يحصل للجد والحق لا للأهواء
والشهوات.
وأما العقاب المؤلم، فهو من المعاني العقلية الصرفة باعتبار أنه من قبيل
الفعل الغامز المقابل لبقية الأغراض، فإذا اعتبر فعلاً خاصًّا فتارة يكون معقولاً
كحرمان المعاقَب من الرضا مثلاً، وتارة يكون محسوسًا كضربه بالسوط مثلاً.
فتلخص أن المعاني الأصلية التي أودعها الحطيئة في ذلك البيت ثلاثة، وأن
طرق إدراكها مختلفة بين الوجدان وبين الفهم مع التعقل، وبين الحس أو العقل
الصرف غير أن المعنى الأول وهو حلم القوم صاغه الشاعر في قالب تخيلي
اختراعي، حيث صور بهيئة الحكم الحملي الإيجابي، وحالة القوم المالكين لنفوسهم،
الموطنين لها على تحمل آلام التعدي أو المخالفات والصبر عليها أزمانًا طوالاً [١]
رغبة في السرور الذي تناله بإرجاع المخالفين إلى الحسنى - بحالة الرائضين للخيل،
الصابرين على حرانها، طلبًا للذة تذليلها والانتفاع بها، أو بحالة السائسين للرعايا،
المتحملين لتعللاتها، انتظارًا للفرح بسلوكها الجادة القويمة. ولا يخفى ما دخل
في تركيب ذلك التخيل الاختراعي من المعاني وهي (السياسة) و (الأشخاص)
التي نسبت إليهم و (العقول) المسوسة و (طول التأني) الموصوفة به العقول،
فالأشخاص إدراكها حسي، وما عداها فعقلي.
ثم إن المعنى الثالث [٢] وهو عقاب القوم المؤلم أفاده ضمنًا في قوله: (جاء
الحفيظة والجد) حيث جعل غضبهم هو الغضب الحقيقي والجد الذي لا هزل معه،
وهذا يستلزم استتباع حفيظتهم للنكال، وتلك هي الحكمة في صوغ المعنى الثاني
في صيغة الحكم الشرطي الإيجابي، والبيت الثاني وهو:
أقلوا عليهم لا أبًا لأبيكم ... من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا
وضّح فيه مطلوبه من اللائمين وما يتمناه فيهم، فتمنى فيهم - ونعوذ بالله -
الخذلان وعدم الناصر، وهو معنى متصوَّر له عقلاً وتمنيه معروف له بالوجدان،
وطلب منهم أحد أمرين: إما ترك لوم الممدوحين، وإما القيام مقامهم، وكل منهما
معنى متصور عقلاً، وكلٌّ من رغبة الأول وكراهة الثاني - لو أمكن حصوله
وجدانية - وطلب حصول المعنى الثاني مبين بصورة اختراعية يتناولها الحس في
البناء، والبيت الثالث وهو:
أولئك قوم إن بنَوْا أحسنوا البنا ... وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا
أسفر فيه عن ثلاث صفات: إحكام الأعمال، والوفاء بالمعاهدات، والدوام
على صفاء المحالفات، أما الصفة الأولى فهي معنى عقلي قامت لدى الشاعر
الدلائل الحسية والمعنوية على اتصاف القوم به، فصوره بصورة تخيلية اختراعية
ضمنها الحكم الشرطي الإيجابي المحتوي على معنى البناء الحسي ومعنى الإحسان
المعنوي المنسوب إلى الأشخاص المدركة بالحس، وكل من الصنفين الآخرين
معنى وجداني معبر عنه بصيغة الحكم الشرطي الثبوتي، وكلتاهما تحتاج إلى نظر
ودليل في ثبوتهما للقوم، والصفة الأخيرة وبينها الشاعر على أسلوب تخيلي لا
تخفى المعاني التي تكون منها.. . إلخ.
ومن يتفهم باقي هذا الشعر كغيره من كلام العرب نظمًا ونثرًا على الكيفية
التي شرحنا بها معاني الأبيات السابقة يتضح له أن عقول العرب كانت نيرة،
مدربة على ملاحظة الأمور، متفطنة لدقائقها، ماضية في استحضار المعاني
ومقارنتها، مصيبة في النظر بين أطرافها، وتقرير النِّسب بينها، قادرة على كشف
خفاياها وإبراز المعقول منها في صورة المحسوس، ولا يخفى أن ذلك نتيجة
تربيتها الفكرية على الطريقة الطبيعية العملية.
***
بيان الطرق العمومية
(لأجل الوصول إلى مثل التربية العربية وتكميلها في أمتنا بواسطة المدارس
خصوصًا)
لا شك أن الطريقة التي كانت مستعملة في التربية العربية جديرة بأن نعمل
بها، غير أن مقتضيات الأحوال في زماننا الحاضر ومكاننا الخاص توجب علينا
اتباع تلك الطريقة بعد أن نُدخل فيها من التكميلات ما تكون به موافقة لحالتنا الحالية،
وهذه التكميلات تنتظم في سلك جملة أنواع:
(الأول) لما كان النوع الإنساني في العصر الحالي بالغًا مبلغًا عظيمًا في
المدنية المحتاجة إلى سعة المعارف وإتقان ضبط الأمور - لزم أن تكون الطريقة في
تربية الناشئة هي تعليمهم باللسان والقلم معًا، ليكون الفهم منها ذا أذنين، والكلام ذا
لسانين، ومن أجل ذلك كان من أصول التربية المتحتمة في أيامنا هذه تعليم كل
إنسان القراءة والكتابة؛ لأن محاربة الأمية في عصرنا هي الجهاد الأكبر،
واستئصالها هو فتح الفتوح.
(الثاني) بما أن أحوال الوقت الحالي أوجبت أن يكون الطرف الأعظم من
التربية حاصلاً في (المدارس) تعين بسبب الاجتماع المدرسي أن يكون كل نوع
من أنواع التربية التي شرحناها آنفًا على كيفية خاصة كافلة بالنجاح.
***
الكيفية التي يجب أن تكون
عليها التربية الفكرية
في المدارس
هذه الكيفية لا بد في حصولها من جملة أمور.
(الأول) أن تقسم التلامذة فرقًا على حسب درجات عقولهم ومقدار معارفهم،
وأن يخصص لكل فرقة المكان المناسب لها المستوفي للشروط الصحية، وأن
يُنتخب لها من يليق من المربين والمعلمين الذين تحلَّوا بصفات الكمال.
(الثاني) أن يُعطى لكل فرقة في زمن محدد مقدار من العلوم أو الفنون
مناسب لمداركها، ولائق بذلك الزمن بحيث يمكن تقريره في مدته تقريرًا تامًّا.
(الثالث) أن يُعين لكل علم أو فن الوقت المناسب له من اليوم والأسبوع
على حسب أهميته ومقدار منفعته.
(الرابع) أن تعتبر القراءة والكتابة أساس التعليم، فتضمن الأصول التي
تتفرع منها العلوم والفنون.
(الخامس) أن يكون التعليم على الطريقة العربية التي شرحناها بحيث
يبتدئ بالمحسوسات، ثم يعقب بالمعنويات، ويُقَّدم السهل على الصعب، والمعلوم
قبل المجهول، ويكون في جميع الأحوال إرشادًا جميلاً عربيًّا لجميع القوى العقلية
باعثًا للشوق إلى المعارف.
(السادس) أن يكون درس الأشياء على نفس الأشياء بقدر الإمكان بحيث لا
يعين على صورها أو وصفها وتمثيلها بالكلام إلا إذا تعذر إحضارها، وأن يتوجه
بالتلامذة حينًا فحينًا إلى الأماكن التي يطَّلعون فيها على ذوات الأشياء الطبيعية
والصناعية.
(السابع) أن يكون في مقدمات التعليم تنوير عقول التلامذة بنور الدين
الحنيفي وتغذيتها بالحكم العربية.