للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: صالح مخلص رضا


حال المسلمين الاجتماعية
ومكان الأغنياء وسائر الطبقات منها [*]
وفيه بيان حال مشتركي المنار ومساعديه
ورأي الأستاذ الإمام والشيخ علي يوسف فيه
(٢)

قد فصَّلنا القول في المقالة الأولى في الغرض الأول الذي رمى إليه (م. ن)
في رسالته وهو إعانة جماعة الدعوة والإرشاد. وأما الغرض الثاني مما رمى إليه
وهو مساعدة المنار، فقد علم رأينا فيه مما علقناه على رسالته، وهو أننا لا نقبل
تبرعه للمجلة ولا تبرع غيره لأنفسنا، فمساعدة المنار تنحصر في أمرين أدناهما أن
يؤدي كل مشترك ما عليه من قيمة الاشتراك في كل سنة، وأعلاهما الدعوة إلى
الاشتراك فيه واقتناء مجلداته وأداء حقه الذي هو عبارة عن قيمة الاشتراك.
وقد وُجد أفراد قاموا بما تيسر لهم من أعلى المساعدة كالنابغة الشهير السيد
محمد بن يحيى بن عقيل في سنغافورة، وشهيد العربية السيد الزهراوي الشهير
وصديقه الشيخ أحمد نبهان من علماء حمص وفضلائها في بلاد سورية، والكاتب
اللوذعي الهادي السبعي في تونس، والفاضل الغيور محمد أفندي عمر في القطر
المصري. وإنما ذكرت الهادي السبعي وقد كان وكيلاً للمنار بالعمولة؛ لأنه من
الأفراد الذين يقل نظيرهم في علو الهمة وقوة التأثير، وإننا لم نأسف لاضطرارنا
إلى ترك معاملة أحد أسفنا لاضطرارنا إلى ترك معاملته لتأخيره المحاسبة والمكاتبة
عن أوقاتها زمنًا طويلاً، على أننا لم نهتد بعده سبيلاً إلى تحصيل حقوق المنار من
أكثر التونسيين، على ما تفضل به من التبرع بتحصيلها الوجيه الأمثل عبد الجليل
الزاووش.
وأما أدنى المساعدة وهي أداء حق المنار فمن المشتركين السابقون بالوفاء وهم
الذين يؤدون الاشتراك في كل عام وأفضلهم الذين يؤدونه في أوائل السنين وإن لم
يُطَالَبُوا أو يُذَكَّرُوا، ويليهم الذين إذا ذُكِّرُوا أو طُولِبُوا أدَّوْا، وإن تُرِكُوا نَسَوْا أو
تَنَاسَوْا، ومنهم الذين يلوون ويمطلون، ومنهم من لا يخرج الحق من يده - إلى
أمثالنا في حسن التقاضي - إلا نكدًا، وقد يكون أبسط الناس لمن يخاف أذاه أو
هجوه يدًا، وقد بينا من قبل أحسن أقطار المسلمين وأصنافهم وفاء وأشدها مطلاً.
وإننا نقاسي من مطل الناس أو هضمهم للحق ما هو أوضح برهان على
انحطاط أمتنا، وضعف تأثير العلم الديني والدنيوي في نفوس أفرادها، فلا ينبغي
أن يغتر أحد بشهرة أحد في علم ولا فلسفة، ولا بظهوره في مظهر صلاح ولا
عدالة، بل يجب أن يزن الجميع بميزان النقد، فالناس- كما قال الرسول صلى الله
عليه وآله وسلم- معادن كمعادن الذهب والفضة، أي والنحاس والحديد والزنك
وغير ذلك، فالمظاهر العلمية أو العملية كالصقال قد يجعل النحاس أو الحديد
المصقولين أبهج من الذهب أو الفضة غير المصقولين، ولكنهما إذا تُرِكَا زمنًا طويلاً
بغير صقل علاهما الصدأ، وأفسدهما الطبعُ، ولا يضر الحجرين الكريمين ترك
صقلهما، فإن صُقِلاَ كان مزيد كمال في جمالهما وبهائهما. وأنشد الغزالي في
الإحياء أبياتًا في اختبار مُدَّعِي الزهد والتصوف بالمال:
لا يغرنك من المر ... ء قميص رقعه
أو إزار فوق عظم ... الساق منه رفعه
أَرِهِ الدرهم تعرف ... حبه أو ورعه
فإن شئت مثلاً من عِبَر المنار، وما اتفق لنا من مبكيات الاختبار، فأعظم
الأمثال التي يجب أن تُضْرَب في هذا المجال رجل من الأغنياء العلماء الشرفاء،
يشرح الكتب الشهيرة، ويتحلى بالحجارة الكريمة، ويركب المركبات الفاخرة،
تجرها الخيول المطهمة، ثم هو يلوي ويُسَوِّف في اشتراك المنار عدة سنين ثم يقول
لوكيل التحصيل بعد المطل الطويل: إنه لا يدفع قيمة الاشتراك؛ لأنه عالم من
علماء الدين! فيا لله العجب هل يوجد خزي أخزى من وصف العلم أو الدين بأنه
يقتضي هضم حقوق الناس وأكل أموالهم بالباطل، أليس الجهل أفضل من مثل هذا
العلم؟ بلى وأستغفر الله من الزيادة على ما قلت.
هذا، وإن صنف العلماء المعممين قلما يشترك أحد منهم في جريدة أو مجلة أو
جمعية خيرية، ويقل فيمن يشترك في صحيفة لغرض ما أن لا يسعى في السماح له
بنصف قيمة الاشتراك أو ما دون النصف، كأنهم يرون أن الصحف يجب أن تُهْدَى
إليهم، وإن لم يفيدوا أصحابها بعلمهم ولا بجهلهم، إن كان لهم علم ينفع، أو جاه
يشفع، ولكن يقل فيهم أيضًا من يأكل حقًّا ثابتًا عليه لأحد.
ومن أغرب ما وقع لنا معهم أن واحدًا منهم كان قد أعجبنا حياؤه وتدينه،
فساعدناه في مصلحة من مصالحه مساعدة ذات شأن عنده، فعرض علينا جزاءها أو
مكافأة عليها عدة جنيهات، فقلنا: إننا لا نأخذ أجرًا على المساعدة فاشترى بها
مجلدات من المنار، ثم إنه تأخر عليه اشتراك عدة سنوات فلما طُولِبَ بها في هذا
العام قال: إنه كان دفع الاشتراك عنها سلفًا في تاريخ كذا، فقيل له: إن ما دفعته
يومئذ إنما كان ثمن المجلدات السابقة فقال- ويالله العجب مما قال- بل كانت تلك
المجلدات هدية من صاحب المنار! ! فإن كان قد قال هذا القول معتقدًا صحته فهل
تفكر في السبب الذي حمل صاحب المنار على مساعدته مساعدة تستحق المكافأة
وعلى ترك أخذ ما عرضه عليه منها ثم على إهدائه عدة مجلدات من المنار؟ ولعله
يتفكر فيعلم أن لا سبب يقتضي ذلك ثم ينصف من نفسه.! ! على أننا مع العلم
بهذا الشذوذ من هذا العالم الحيي، وذلك المؤلف الغني، نقول: إن علماء الدين
أمثل من علماء الدنيا وفاء، وأسهل قضاء.
ذكرت في بعض مجلدات المنار السابقة أن علماء الحقوق من القضاة
والمحامين أحسن وفاء من غيرهم. وأن أقل المتعلمين وفاء كتبة الدواوين، وكم من
كاتب صغير خير من قاض أو محام كبير، وإنما الناس معادن، يتفاضلون
بالأخلاق لا بالعلم ولا بالمناصب، أضرب لذلك مثلاً قاضيًا اشتهر بدقة الفهم،
واستقلال الرأي، وحسن الذوق، وانتظام الفكر، وفصاحة القول، وسلاسة الإنشاء،
والجمع فيه بين إقناع الفلسفة وتأثير الخيال، حتى صار يعده المدنيون من رجال
الإصلاح، وكان مع هذا كله يمنع ما عليه من حقوق الأفراد والجمعيات عامدًا
متعمدًا: طلب الاشتراك في المنار بلسانه، ومات وعليه اشتراك عدة سنين أعيا
وكيل المنار تحصيلها منه، وكان مشتركًا في الجمعية الخيرية ومن كبار أعضائها
فأمر الأستاذ الإمام رئيس الجمعية بمحو اسمه من دفاترها بعد امتناعه من دفع قيمة
الاشتراك عدة سنين.
وإن لنا الآن عند بعض القضاة والمحامين اشتراك عدة سنين يئس جابي
المنار منهم، وطلب من الإدارة قطع المنار عنهم، وقد ساءني ذلك؛ لأن منهم مَن
أُجِلُّ نبوغَه ومروءتَه، وألتمس له عذرًا فيما شكا الجابي منه، ويعز عليَّ أن يحشر
في زمرة الماطلين، أو يُدَوَّنَ في سجل الهاضمين.
وأما الماطلون من الأغنياء الذين لم يصقلهم العلم الديني ولا الدنيوي فهم
كثيرون ومطلهم خشن مُشَوَّه. مثاله قول غني من الفيوم اشترك بضع عشرة سنة
لجابي المنار في القاهرة: إنني ابتليت بمصائب تمنعني من المطالعة منها موت
امرأتي، ومجموعات سني المنار محفوظة عندي في الفيوم فأعطني أجرة البريد
لأحضرها لك! !
ولا يسعني السكوت في هذا المقام عن كلمة ثناء على فضل من أنبتت أرض
مصر في هذا العصر، بل على من يندر وجود مثلهم في أي مصر وأي عصر،
وهم الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده والوزير الكبير مصطفى رياض باشا والنابغة
الهمام حسن باشا عاصم، فأما الوزير فقد بينت في فاتحة المجلد الخامس عشر أنه
كان أول من أراد التبرع للمنار فاشترك بعشر نسخ تُوَزَّع على الفقراء ثم جعلها
خمس عشرة نسخة، وقد أقرها بعده ولده محمود باشا سنة ثم قطعها، وفضل
رياض باشا على الأهرام والمؤيد والمقتطف والمقطم مما يعرفه جمهور الأدباء،
وأما حسن باشا عاصم فقد كان على وقف حياته على خدمة الأمة أحسن الناس وفاء
حتى إنه كان يتحرى أن يكون أول من يدفع الاشتراك للجمعية الخيرية في كل عام
على أنه أكثر أعضائها خدمة لها، وكان يدفع اشتراك جميع الجرائد في أول كل
عام أيضًا وكان يجيء في إدارة المنار في بعض السنين حاملاً الدراهم بيده.
وأما الأستاذ الإمام رحمه الله تعالى فقد كان أحرص الناس على مساعدة المنار
بكل ما تصل إليه طاقته، وكان كثير من الناس يظن في مساعدته له الظنون البعيدة
حتى إن منهم من كان يظن أنه هو الذي يكتب ويحرر أكثر ما ينشر فيه، وقد علمنا
هذا مما كاشفنا به بعض القراء حين كتبنا في المجلد الرابع أن كل ما ينشر في
المنار غير معزو إلى أحد فهو لمنشئه، ومن الناس من لم يرجع عن هذا الظن إلا
بعد وفاة الأستاذ.
بعد كتابة ما تقدم نظرت في مذكراتي التي كتبتها قبل إنشاء المنار فإذا فيها
أنني جئته على موعد في مساء اليوم السادس من شعبان سنة ١٣١٥ فعلمت منه أن
سليم أفندي الأنسي أخبره بأن بعض الناس جاءوا من طرابلس الشام لإنشاء جريدة.
وأنه أجابه بقوله: هل علموا أن الجرائد هنا قليلة؟ وكتبت يومئذ في ذلك ما يأتي:
(فعند ذلك كاشفته بعزمي وأخبرته أنه جاءني خبر من طرابلس بأن والي
بيروت بلغه أني جئت مصر لأنشئ جريدة أطعن فيها بوكلاء (وزراء) الدولة.
وقلت له: المقصد أعلى من الكلام في الشخصيات وإن وكلاء الدولة مُدِحُوا كثيرًا
وذُمُّوا كثيرًا فماذا كان من نتيجة المدح والذم؟
(فشرح لي الأستاذ حالة الجرائد في مصر (كما فهمته واختبرته) وقال:
إن المصريين أقامتهم الظروف في حالة جعلت أفكارهم موجهة إلى شيء واحد من
الجرائد وهو أخبار الحكومة المحلية، وماذا يقال عن الخديوي، وعن الإنكليز ولا
يلتفتون إلى ما وراء هذا. وهذا الأمر قد قامت به ثلاث جرائد المقطم والمؤيد
والأهرام ... [١] وإذا كتبت في المواضيع الأدبية كالتربية والتعليم أو آداب اللغة لا
يلتفت إلى كلامك الناس، فإني لا أعرف أحدًا في مصر من طلبة الأزهر أو
المدارس مشتغلاً باللغة وآدابها إلا أن يكون في الزوايا مَن لم يعرف. نعم إن هذا
الأمر مهم ومفيد لكنه لا يأتي منه ما يكفي لنفقاته ولا ينبغي التعب وإنفاق المال هكذا.
(وفيها أنني ذكرت له هنا ما ذكره لي صاحب الهلال من كثرة مشتركيه
وأنه ارتاب في ذلك، وقال: إن المشتركين الذين يدفعون الدراهم قليلون وما كل
من يكتب اسمه في دفاتر أصحاب الصحف كذلك. ثم كتبت ما نصه) :
(ثم انتقلنا إلى موضوع الأمة ومرضها وأن أنفع الوسائل في معالجتها
التربية والتعليم ونشر الأفكار الصحيحة، فقلت: هذا ما حدا بي لإنشاء الجريدة،
وإني أسمح أن أنفق عليها سنة وسنتين من غير أن أكسب شيئًا ... فقال: إن كان
هذا فهو حسن، وهذا أشرف الأعمال وأفضلها، وأنا إذا كنت على ثقة من مشرب
الجريدة فإني أساعدها بكل جهدي) اهـ.
ولما كتبت فاتحة العدد الأول أعجبه ما بينته فيها من خطة المنار ومقاصده ولم
ينتقد منها إلا كلمة واحدة في حقوق (الأمة على الإمام) قال: إن المسلمين ليس
لهم الآن إمام إنما إمامهم القرآن. فتركت تلك الكلمة لأجله. ولم أطلعه على شيء
قبل طبعه مما لا يتعلق بشخصه والحكاية عنه إلا بتلك الفاتحة. ثم كانت تزداد ثقته
بالمنار وصاحبه (ولا محل لشرح ذلك هنا) ولكنه لعزة نفسه ومحافظته على قيمة
كلامه كان يكتفي من الترغيب في المنار غالبًا بمدحه، والشهادة بفائدته ونفعه،
دون التصريح بالدعوة إلى الاشتراك فيه، وقلما كان ذلك يجدي؛ لبُعْدِ الناس
الموسرين عن الاهتمام بأمر الإصلاح الديني والاجتماعي، قد اشترك في المنار
عقب ظهوره الأفراد من أصدقائه ومريديه بترغيبه، واشترك المئات من غيرهم
بغير ترغيب من أحد ولم يكن في ذلك غناء، وما زاد دخل المنار على نفقته إلا في
السنة الخامسة، وقد كان لمقالاته (الإسلام والنصرانية) تأثير في ذلك. ولم أعلم
أن عشرات من المشتركين طلبوا الاشتراك بتأثير ثنائه عليه إلا في تلك السنة وكان
هؤلاء المشتركون من مديرية الدقهلية وما جاورها، سمعوا منه ذلك الترغيب في
بلادهم أيام كان فيها يوزع الإعانات على الذين نكبوا بالحريق، ولا أتذكر أني
طلبت منه المساعدة تصريحًا ولا تلميحًا إلا في أوائل تلك الأيام، فإنني كتبت إليه
كتابًا أشرت فيه إلى الشكوى من قلة الإقبال على المنار- وكان في المنصورة-
فكتب إليَّ كتابًا قال فيه هذه الكلمة التي كانت أحب إليَّ من كل ما تجدَّد من طلب
الاشتراك؛ لأنها بينت رأيه في المنار كتابة وهي:
(الناس في عماية عن النافع وفي انكباب على الضار، فلا تعجب إذا لم
يسرعوا بالاشتراك في المنار، فإن الرغبة في المنار تقوى بقوة الميل إلى الحاضر،
بما هو أصلح للآجل وأعون على الخلاص من شر الغابر، ولا يزال الميل في
الأغنياء قليلاً، والفقراء لا يستطيعون إلى البذل سبيلاًَ، ولكن ذلك لا يضعف الأمل،
في نجاح العمل) .
وأذكر أيضًا أن وجيهًا من أسرة كبيرة غنية في بعض المديريات كان يُعَدُّ من
حزب الأستاذ طلب مني بحضرته إرسال المنار إلى بضعة عشر مشتركًا من أقاربه
وأصحابه على أنه هو الكافل لهم، والملتزم لتحصيل قيمة الاشتراك منهم، فأرسلناه
إليهم، وبقي عدة سنين لا يدفع عن نفسه ولا عن أحد منهم شيئًا حتى في حياة
الأستاذ، ثم بعد المطالبة وصل إلينا منه ومن غيره اشتراك بعض السنين من
بعضهم، ويئسنا من الآخرين فمحونا أسماءهم.
وأما أصحاب النفوذ والوجاهة من أصدقائه- الذين كانوا أقدر منه على نشر
المنار لو أرادوا؛ لتصريحهم بما لا يصرح هو بمثله- فلم أعلم لأحد منهم مساعدة
تُذْكَر إلا من مصطفى بك الباجوري رحمه الله تعالى طلب المنار لجماعة في طنطا
أكثرهم من أصدقائه المحامين. على أن كثيرًا من جماعة الأستاذ ما كانوا يدفعون
قيمة الاشتراك ولا كنا نحن نطالبهم بها لأجله، وهو لم يأمر بإرساله إلى أحد بغير
ثمن إلا إلى اثنين من أصدقائه (أحدهما شيخ صوفي صالح مشهور في الوجه القبلي
(وثانيهما) قاض شرعي من إخوانه مريدي السيد جمال الدين في الوجه البحري،
(رحمهم الله أجمعين) .
وجملة القول أن الأستاذ قدس الله روحه صرَّح لي بما حقيقته أنه لم يعمل
للمنار ما يحب عمله له، بل قال لي مرة أو أكثر من مرة: إنني لم أعمل شيئًا.
أي ما يعده هو شيئًا يُذْكَر. ولا سيما بعد ما رأى من مقاومة أعدائه له، وعدم قيام
أصدقائه بما كان يحب من مساعدته، على ما رأوا من شدة ميله ورغبته، وقد كان
هو يقوم بموافاة رغائبهم وقضاء حوائجهم بمجرد الشعور بها، ولا ينتظر منهم
إلحاحًا ولا تصريحًا بطلبها، وكان يجب أن يكون كل فرد منهم أولى بذلك بِمَنِّه؛ لا
لأنه له الفضل عليهم، والمقام الأعلى فيهم، بل لأنه أشدهم حياء وأرقهم شعورًا.
فلا ينبغي لمن عرف طباعه وأخلاقه العالية أن يكلفه ما لا يليق بها، كالتصريح
بطلب الشيء بلسان المقال، مع العلم به من دلالة الحال، على أنه هو لم يكن
يكلف صديقه مثل ذلك، وإن كان ذلك الصديق لا يستحي منه، ولا يثقل مثله على
طباعه وأخلاقه.
من أجل هذا كانت مقاومة أعداء الأستاذ للمنار أعظم من مساعدته له، وإنما
كانوا يقاومونه لتنويهه به، وإذاعته لعلمه وفضله، وإنني أذكر في هذا المقام كلامًا
للشيخ علي يوسف صاحب المؤيد عفا الله عنه فيه عبرة لصاحب الرسالة التي
أوجبت كتابتنا لهذا المقال، ولغيره ممن يعتبرون بوقائع الأحوال.
قال لي الشيخ علي يوسف مرة: إنك أنت رجل غير عادي فلقد أوتيت من
العلم والبصيرة ومعرفة حكم الدين وأسراره وما يحتاج إليه المسلمون من الإصلاح
في هذا العصر ومن حسن البيان ما جعل مجلتك من الحاجات الضرورية التي لا
غنى للمسلمين عنها إذا أرادوا أن يرتقوا في هذه الدنيا مع المحافظة على دينهم،
وكان يجب أن يوجد المنار في كل بيت من بيوت المسلمين، ومصر مستعدة لرواج
هذه الأفكار فيها، وأنت ههنا غريب ليس لك أعداء ولا حُسَّاد؛ إذ لا يعدك أحد فيها
مزاحمًا له في جاهه وَصِيته. إلا أنك التزمت في المنار إطراء الشيخ محمد عبده
والتنويه به، وهو أهل لذلك إلا أنه غير محتاج إليه؛ إذ لا يزيد في قدره عند
عارفي فضله الكثيرين ولا يقنع غيرهم من مبغضيه، وإن للشيخ أعداء كثيرين لهم
نفوذ في البلاد، وأنت بهذا التنويه به تجعلهم خصومًا للمنار يقاومونه وينفِّرُون
الناس منه، وأكثر من يسمع ذلك منهم يأخذه بالقبول، فخير لك أن تترك هذه
الخطة وتسلك في ذكر الشيخ طريق المؤيد بأن تعبر عنه إذا اقتضت الحال ذكره
بأحسن ما يقرن بأسماء كبار العلماء وهو لقب (فضيلة الأستاذ فلان- أو بزيادة-
العلامة فلان) فبهذا تأمن كيد أعداء الشيخ لك المفضي إلى حرمان أكثر المسلمين
بمصر من الاستفادة من المنار. اهـ.
فقلت له: إنني أعلم قدر ما في هذا الكلام من النصيحة، وإنني قد علمت
بالاختبار أن أعداء الشيخ يصدون عن المنار، وقلما يوجد من يعارضهم في ذلك.
ولكن المنار أنشئ للإصلاح لا للتجارة، ودعوة الإصلاح لا يُرْجَى أن تنجح وتبقى
إلا إذا كان للإصلاح زعيم يُرْجَع إليه ويُعَوَّل عليه، ولا أعرف أحدًا من المسلمين
أهلاً لهذه الزعامة بعلمه وبصيرته وإخلاصه وأخلاقه إلا هذا الرجل، فأنا أقصد
بالتنويه به ترشيحه لزعامة الإصلاح في العالم الإسلامي كله لا في مصر فقط.
وهذا الغرض ركن من أركان الإصلاح يرجح على كثرة قراء المنار في القطر
المصري. فقال إذا كان الأمر كذلك فأنت أدرى بشأنك.
هذا، وإن هذا القول من الشيخ علي يوسف قد كان قبل اشتداد غضب الأمير
على الأستاذ الإمام وإظهاره للناس وما ترتب على ذلك من التقاطع الأخير بين
الأستاذ والشيخ علي، ومن سعي كثير من كبار المقربين للأمير للتفريق بيني وبين
الأستاذ رحمه الله تعالى، إذ كان ممن كلَّمه في ذلك الوزير الشهير بطرس باشا
غالي، وممن كلَّمني فيه نقيب الأشراف وشيخ مشايخ الطرق الشيخ توفيق البكري.
ولا حاجة إلى شرح ذلك في هذا المقال.
إن صاحب الرسالة (م. ن) يعلم ما لا يعلمه إلا الأقلون من تاريخ المنار
وما لقي من المقاومة، وكونها على قوتها لم تكن مانعة من انتشاره واحترام كبراء
الأمة - حتى خصومه- له ولمنشئه، وأنه على كثرة ما كان يَنْتَقِد العلماء ويُلْقِي
عليهم من تبعة فساد دين الأمة ودنياها لم يتصد أحد منهم للرد عليه مع دعوته إياهم
إلى انتقاد ما يرونه منتقدًا فيه على رأس كل عام، ويعلم أيضًا أن مقاومة الأمراء
والكبراء من العلماء وزعماء الحزب الوطني وغيرهم لم تكن صادَّة لمن دونهم في
الجاه كمحمد أفندي عمر من الدعوة إلى الاشتراك في المنار ومن استجابة كثير من
الناس له، ذلك بأن الحرية الشخصية قد رسخت في البلاد، حتى صارت مستعدة
لقبول كل دعوة وانتشارها بقدر من يقتنع بفائدتها من الأفراد. ولكن الدعوة لا تنجح
بنشر مقالة أو مقالات معدودة، بل يشترط لنجاحها أن يكون لها دعاة دائبون،
وتأثير القول فيها أكبر من تأثير الكتابة، ولا بد من المواظبة والتكرار، كما علم
من سنن الله تعالى في كل دعوة إلى إصلاح أو إفساد، فهذا هو سبب حكمنا على
رسالته بأنها لا تفضي إلى نَيْل المُرَاد، فالأقوال والأفعال العارضة المؤقتة ضعيفة
التأثير في الأمور العامة، وإنما العمدة فيها على الدعوة الدائمة، فقد أيَّد المنار أقوى
من أنبتت هذه الديار حجة وتأثيرًا روحيًّا ولم يكن نجاحه بتأييده وتنشيطه، وخذله
وثبط عنه أعظم من فيها نفوذًا ولم يخب بخذله وتثبيطه، وقد زالت ولله الحمد تلك
المناهضة، فلا يخشى أن يلقى الداعي بعدُ أذًى ولا معارضةً.
ثم ليعلم صاحب تلك الرسالة أن المنار ثابت بفضل الله تعالى وإن انقطع عنه
منذ بدأت الحرب الأوروبية كل مدد كان يأتيه من البلاد العثمانية والروسية ومن
المغرب الإسلامي، وكذا من المشرق والجنوب إلا قليلاً - وإن محت إدارته أيضًا
أسماء مئات من مشتركي القطر المصري، بعضهم بحق وبعضهم بغير حق بل
بشهادة غير عادلة من الجباة- وكان هذا في فترة بضع سنين لم أنظر فيها شيئًا من
أمر الإدارة وقد قضيت كثيرًا منها في الأسفار- وأن المتأخر من مال الاشتراك على
الثابتين من المشتركين يزيد على ألف جنيه مصري. وإني لأعترف بأن جُلَّ التبعة
في ذلك على تقصير الإدارة وتركها مطالبة الكثيرين منهم لا على من طُولِبُوا فلووا
ومطلوا، وإنا لنرجو أن توفق إدارتنا فيما شرعتْ فيه من الإصلاح إلى اقتضاء
حقوقنا بالحسنى، فقلما يوجد في مشتركي المنار من يستحل أكل ماله بالباطل
وهضم حقه بغير عذر، ولكن يثقل على بعض من عليهم اشتراك عدة سنين أن
يؤدوها دفعة واحدة، ولا يضرنا تأديتها أقساطًا متعددة، وإن منهم أفرادًا يطمعون
بأن نترك لهم شيئًا مما عليهم برضًا منا، ومن هؤلاء من يتوسل إلى ذلك بأن بعض
الأجزاء لم يصل إليهم، وحجتنا أنه كان ينبغي لهم أن يطلبوها في وقتها وإذًا
لأرسلت إليهم بغير ثمن حسب الشرط، وإنا نعلم بالاختبار أن كثيرًا من المشتركين
تضل عندهم الأجزاء أو يأخذها بعض أصدقائهم من مكاتبهم أو بيوتهم من حيث
يدرون أو من حيث لا يدرون، أو تضيع بانتقالهم من مكان أو بلد إلى غيره، ثم
يتوهمون أنها لم تصل إليهم ألبتة.
وقد عزمنا على أن نبذل جهدنا في حسن الاقتضاء، راجين من الأكثرين
حسن القضاء، وعلى أن نكتب بعد ذلك ما نرى فيه الفائدة من الاختبار، ومنه
التصريح بأسماء المحسنين والمسيئين في القضاء، ليكونوا عبرة للمعتبر بحال
المسلمين، ونؤكد البشارة لأخينا (م. ن) الداعي إلى مساعدة المنار خوفًا من
سقوطه بما أحدثته الحرب من العسرة أن ما على خيار المشتركين في القطر
المصري وحده يزيد على ما يحتاج إليه من النفقات فلا يضره انقطاع المدد عنه من
الخارج، فإذا كان يحب زيادة انتشاره لأجل تعميم فائدته فالطريق إلى ذلك هي
الدعوة إلى منهجه الإصلاحي، ولكل دعوة أهل، ولكل مجتهد نصيب، ودعوة
الإصلاح بالحق أحق أن تستجاب، ولا سيما إذا رُوعِيت فيها الحكمة وفصل
الخطاب، {أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّي إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ
كَيْفَ تَحْكُمُونَ} (يونس: ٣٥) .