للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: محمد رشيد رضا


وعظ رمضان والمسجد الحسيني

اقترحنا في الجزء الذي صدر في غرة رمضان على الأستاذين الكبيرين شيخ
الأزهر وشيخ الجامع الحسيني منع الوعاظ الجهلاء من التصدي لتعليم الناس فلم
يلتفتا إلى الاقتراح , وكان المسجد كعادته كما أومأنا إلى ذلك في الجزء الماضي.
ومن الناس من يظن أن الأستاذ السيد الشيخ علي الببلاوي ترضيه التعاليم الخرافية
لأن العوام إذا تنبهوا وعرفوا الحق يمتنعون عن تقديم النذور والهدايا لصندوق المقام
الحسيني الذي هو أمينه وللشيوخ والخدم فيه الذين يتقاسمون ذلك معه ولكننا نقول:
إننا ذاكرناه في عام مضى بوجوب تطهير هذا المكان الشريف المعظم من البدع
والخرافات التي أقبحها تعظيم عمود الرخام تعظيمًا دينيًّا , فوعدنا بذلك وأثنينا عليه
لهذا الوعد في منار السنة الماضية , وراجعناه الكلام في ذلك , ولكنه اعتذر عن
المبادرة إلى العمل بقوله: إذا قيل لهؤلاء العوام: إن تعظيم الأحجار والطواف
بالقبور ونحو ذلك ليس من الدين يخشى أن يختل اعتقادهم بأصل الدين لأن هذا
عندهم من أهم مهماته فلا بد من التدريج. وقد قبلنا في أول الأمر هذا الاعتذار ثم
أردنا أن نختبر ذلك بنفسنا ونتبينه بالتجربة فتصدى الفقير في العام الماضي وفي
هذا العام للوعظ والتعليم في المسجد الحسيني وغيره فرأيت عامة المصريين أكثر
الناس قبولاً للإرشاد الصحيح, وأشدهم استعدادًا لقبول الحق. ولقد كان إقبال الناس
على مجلسي عظيمًا حتى كانوا ينصرفون عن سائر الوعاظ إلي , وما ألقيت إليهم
مسألة إلا وتقبلوها بقبول حسن , ولكن هذا الدرس ساء الذين يمس التعليم الصحيح
شيئًا من رزقهم الذي ينالهم بإذاعة الخرافات وبيع (الغفرانات) فحملوا بعض ذويهم
على أن يشيعوا بين الناس الذين لم يسمعوا درسي أنني أنكرت الأولياء وكراماتهم
وأنكرت الشفاعة , وقلت: إن سيدنا الحسين رضي الله تعالى عنه كالصنم {كَبُرَتْ
كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً} (الكهف: ٥) , وغير ذلك من
الإشاعات التي أسمع في كل يوم من الناس منها ما لم يخطر على بالي في يوم من
أيام حياتي. وكان حظهم من النجاح في هذا الإفساد أن الثناء العام على درسي
وقول الناس: (يا ليت لنا مثله كذا وكذا عددًا.. ..) وأمثال ذلك قد صار مشوبًا
بالإنكار , وأنه لا بد أن يتغلب القول القبيح وإن كان باطلاً على الحسن وإن كان حقًّا.
وفاتهم أن خرافاتهم كانت مقبولة عند البسطاء نائمة في قلوب السذج فاستيقظت
بحركتهم هذه , وكل من يتكلم بالإنكار لا بد أن يجد ممن عرف الحق من يرشده إليه
ولو بعد حين , وبذلك تتلاشى بدعهم وخرافاتهم , وينسد عليهم باب الأكل بالدين
كالذين قال الله تعالى فيهم: {اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ
سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (التوبة: ٩) .
أما هذا الفقير فلا يسرُّه من كلام المادحين إلا أن الحق مقبول. ولا يسيئه من
تقول القادحين إلا أن الحق عندهم مخذول. ولا يبالي فيما وراء ذلك بمدح ولا ذم؛
لأنه لا يطلب على الأول من أربابه أجرًا. ولا يخاف من الآخرين ضرًّا.
ولست أبالي من رماني بريبة ... إذا كنت عند الله غير مريب
ولو كنت أرجو من الناس شيئًا لاتبعت أهواءهم وأشرفت عليهم من مواقع
رغباتهم بتسهيل سبل الشهوات واللذات. وتلقين ألفاظ لا تضرّ معها الفواحش
والمنكرات. وترويج هذا البهتان باسم الدين. كما يفعل سائر الدجالين. ولو كنت
أخافهم لما فاجأتهم في أكبر مجتمعاتهم وأجمع مساجدهم بإنكار ما شاع فيهم من
المنكرات. وتزييف ما ألصقوه بالدين من البدع والخرافات كالاعتقاد بأن عمود
الرخام في المسجد الحسيني يضر وينفع وأنه يتبرك به , وكذلك باب المتولي عند
جامع المؤيد والشجرة التي أمام جامع السلطان الحنفي وغير ذلك من أضاليل. إن
معلمي الفتنة سهلوا على الجهلاء تعظيم هذه الجمادات تعظيمًا دينيًّا (وذلك عين
العبادة) بأكاذيب نسبوها إلى النبي صلى الله عليه وسلم زورًا وبهتانًا كقولهم: (لو
اعتقد أحدكم على حجر لنفعه) وقد هالهم أنني صرحت بأنه لم يقل أحد من العلماء
إن هذا حديث على أن معناه فاسد لأن ظاهره أن الأحجار تضر وتنفع بسلطة غيبية.
وأسرار وراء الأسباب الطبيعية , وأن هذا النفع يلتمس منها , وهذه هي حجة عباد
الأصنام. بل إن من هؤلاء من حكى الله تعالى عنهم بأنهم كانوا يجعلونها قربة
ووسيلة تشفع لهم عند الله تعالى كالذين عبدوا الأنبياء والملائكة بهذه الشبهة. قال
تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا
عِندَ اللَّهِ} (يونس: ١٨) الآية. وهذا التقرير هو الذي حولوه وزعموا أنني
قلت: إن سيدنا الحسين صنم أو كالصنم حاشا لله كذب المذاعون وضلوا ضلالاً
بعيدًا.
بعد كتابة ما تقدم سمعت من بعض الناس أن مما أذاعه المرجفون زعمهم أني
قلت: (إن قبر سيدنا الحسين كقبر النصراني - وفي رواية - كقبر بطرس) فدلني
هذا على أن قول بعض علماء الأخلاق والاجتماع في المصريين: (إن كذبهم
محصور في التحريف والزيادة والنقص وليسوا بارعين في الاختلاق) قول لا يخلو
من حسن الظن أو أنهم ارتقوا في هذه الأيام إلى ما لم يعهده بهم من قبل. ولا أراه
إلا سيرجع عن ذلك القول فيهم كما رجع عن قول آخر لاختلاف حالهم عن الوقت
الذي قاله فيه.
ذلك أنه كان قال: (إن مصر ستبقى للمصريين لأنهم لا يفتئون يتناسلون ,
وإن تحكم فيهم الاستبداد. واستحوذ عليهم الذل والاضطهاد. وبلادهم الزراعية لا
تنتج إلا بعملهم , ولا مندوحة لمن يمتلكها عن استعمالهم فيها لأنهم يرضون من
الأجر القليل ما لا يرضاه غيرهم فالبلاد لا تستغني عنهم , والذي يحكمهم من غير
جنسهم إما أن يضطر إلى تركهم وشأنهم , وإما يتجنس بجنسيتهم ويكون منهم) ثم
بعد أن فشا السكر والزنا في كل بلدة من بلادهم وكل قرية من قراهم وأقبل
وجهاؤهم على التفرنج القبيح رجع عن قوله وقال: إن هذه السموم الكحولية التي
يشربونها من غير عقل مع فشو الداء الزهري بانتشار الفاحشة لا بد أن تكون من
أقوى عوامل تقليل النسل وضعف المواليد كما هو الشأن في فرنسا التي يراعي
أهلها في هاتين الآفتين (السكر والزنا) قواعد الطب في الجملة ولا يعرف
المصريون شيئًا من ذلك. ثم إن التفرنج علمهم الترف والتنعم حتى إنك لترى في
القرى الصغيرة والمزارع من الإسراف نحو ما تراه في المدن العظيمة ونتيجة هذا
كله أنهم إذا لم يتداركوا هذه الآفات قبل تعميمها فلا يبعد أن ينقرضوا كما انقرض
هنود أميركا وإن بقيت فإنها تدغم في الأمة المتغلبة عليهم وتتجنس بجنسيتهم اهـ.
هذا قول عالم حكيم ولكن هذه الأمة منيت برؤساء من الطامعين الجاهلين
الذين ينالون المال والجاه بجهل الأمة , ولذلك ينفرونها من كل مرشد ناصح يحملها
على العمل النافع الصالح. وهي تسمع لهم لأنهم يحملونها على ما تألف من
الجهالات. وتحسين الخرافات.
وإنني أقول لمن لا يفهم البرهان، ويقدم قول الدجالين على السنة والقرآن:
إذا أردت أن تعرف أنني ناصح لك ومحق في نهيك عن التمسح والتبرك بأعمدة
الرخام وبالأبواب والأقفاص وبالآبار والأشجار والتماس الخير من ذلك فانظر إلى
أكابر العلماء كشيخ الجامع الأزهر ومفتي الديار المصرية والأستاذين الشيخ
عبد الرحمن الشربيني والشيخ محمد بخيت والشيخ محمد أبي خطوة وأضرابهم أو
من هم دونهم في العلم كشيخ الجامع الحسيني نفسه هل تجد واحدا منهم فعل ذلك؟
أليس لك عقل يدلك على أن هذا لو كان من الدين أوكان فيه نفع في الدنيا أو الآخرة
لسبقوك إليه لأنه سهل لا كلفة فيه عليهم. فإن زرت القبور فزرها كما يزورون؛
يكن لك عذر لأن للعلم بالدين والعمل به مرتبتين: العلم بالدليل والبرهان , وتقليد
العلماء الموثوق بهم لمن يعجز عن فهم دينه بالدليل. وكل ما أنكرناه فإنما يقلد فيه
جهلاء العامة بعضهم بعضًا. فحسبنا الله ونعم الوكيل.
***
مسجد عمرو
هذا المسجد أقدم مساجد القاهرة تأسس في إثر الفتح , وهو الآن في طرف
العاصمة الذي يسمونه مصر العتيقة , ولا تقام فيه الصلاة إلا آخر جمعة من
رمضان لأن أمير مصر يصلي هناك. ولم نحضر هذه الصلاة إلا في هذا العام ,
والعوام يرون أن الصلاة فيه يومئذ موسم من مواسم الملة كالعيدين لا سيما وهم
يرون أن سمو الخديو المعظم يحضره بصفة رسمية فتطلق المدافع عند إشراف
موكبه الحافل على الجامع , وعند خروجه منه وتصدح الموسيقى الخديوية بأنغامها
الشجية. ولذلك يؤمونه من جميع أنحاء العاصمة , فيحضر بعضهم الصلاة ويبقى
خلق كثير خارج المسجد من رجال ونساء ما بين أهلين وأجانب. والذين كانوا
داخل الجامع يناهزون المائة ألف.
ومن البدع فيه أنهم يستحضرون الأشجار الصغيرة والرياحين فيضعونها أمام
المصلين لا سيما في جانب المحراب والمنبر. ومنها ازدحامهم بعد الصلاة على
عمود من الرخام بقرب المحراب يضربه بعضهم بالنعال والأيدي ويتبرك به
آخرون. أما سبب الضرب فهو زعمهم أن جميع الأعمدة التي هناك جاءت من
الحجاز تسعى بنفسها وعمرو بن العاص يسوقها وأن هذا العامود كان قد عصى
وامتنع لولا أنه أرغم على المجيء. وكأن الخديو السابق خاف أن يسقط العمود
لشدة ما يضرب فجُعِلَ عليه حاجز من الحديد بأمره وأما التبرك فلأنهم يزعمون أن
فيه أثر يد النبي صلى الله عليه وسلم وغير ذلك. والصواب أن تلك الأعمدة هي
من أنقاض مدينة (منف) الشهيرة وقد رمم مرارًا. ومنها أن في الجانب الأيسر
محرابًا صغيرًا يقولون: إنه المحراب الأصلي يدخله الناس فيمسحون استاههم فيه
لأجل التبرك , وهذا أقبح ما رأينا من ضروب التبرك , ومنها أنهم جعلوا فيه قبرًا
كسائر مساجد مصر يزدحم الرجال بالنساء للتبرك به , ومنها بدعة يقال إن
مجاوري الأزهر هم الذين سنوها وهي كتابة الناس أسماءهم على الأعمدة معتقدين
أن صاحب المسجد يحصيها ويدخل أصحابها الجنة كما سمعناه مشافهة.