للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: محمد رشيد رضا


خطب ودروس صاحب المنار في هذه الديار [*]

إن لي في هذه الدنيا وطنين: وطن النشأة والتربية، وهو سورية، فإنني
نشأت في قرية القلمون، المجاورة لطرابلس الشام في ساحل الكورة من لبنان،
وتعلمت في طرابلس. ووطن العمل، وهو مصر، التي أقمت فيها إحدى عشرة
سنة، أدعو إلى الإصلاح الديني والاجتماعي والسياسي، وأقرأ الدروس وأعمل في
بعض الجمعيات.
ولما أقر الله عيوننا معشر العثمانيين بالحكومة الدستورية اشتقت إلى زيارة
وطني الأول، لرؤية الأهل والأصدقاء ولاختبار حال البلاد بعد أن اشتدت عليها
وطأة الاستبداد، ومساعدة محبي الإصلاح والترقي في التنبيه لما يجب أن تتوجه
إليه الهمم.
زرت بيروت وطرابلس والقلمون ثم عدت إلى بيروت ومنها ذهبت إلى دمشق
الشام فبعلبك فحمص فطرابلس. وقد ألقيت في أكثر هذه البلاد خطبًا ودروسًا،
وجرى لي مع أهل الفهم والظهور فيها محاورات كثيرة فوقفت على ما أحببت
الوقوف عليه. أما المقاصد التي كان يدور عليها كلامي فهي محصورة فيما يأتي:
(١) وجوب الجمع بين هداية الدين والعلوم العصرية التي عليها مدار ثروة
الأمة وعزة الدولة، مع بيان عدم التنافي والتعارض بين دين الإسلام وهذه العلوم
من رياضية وطبيعية واقتصادية.
(٢) الاعتماد في هداية الدين على اتباع سيرة السلف الصالح من الصحابة
الكرام والتابعين لهم ومن سار على طريقهم، وما طريقهم إلا الاهتداء بالكتاب
العزيز والسنة السَّنِيَّة، وقد فصلت ذلك في الخطب والدروس بمطالبة العلماء بأن
يعلموا الناس دينهم كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم المؤمنين به، فهديه
أفضل الهدي وطريقه أقصد الطرق. وبينت ذلك في أسس الدين الثلاثة، العقائد
والآداب والأعمال.
(٣) أما العقائد فبينت أن الاعتماد على كتب الكلام في تلقينها للعوامّ لا يأتي
بالفائدة المطلوبة، وربما يضرهم ويوقعهم في شكوك وشبهات لا يجدون منها
مخرجًا، ذلك بأنها لم تؤلف إلا لحماية العقيدة من شبهات الفلاسفة والمبتدعة كما
بيَّنه حجة الإسلام الغزالي في كتاب (إِلْجَام العوام عن علم الكلام) وفي غيره من
كتبه، وإنما يجب اتباع طريقة القرآن في تلقين المسلمين عقائدهم بالاستدلال عليها
ببديع صنع الله في خلق السماوات والأرض وما فيها من البحار والأنهار
والجبال والحيوان والنبات.
(٤) وأما الآداب والأخلاق فيعتمد في تعليمها على الآيات الكريمة
والأحاديث الشريفة الناهية عن الفواحش والمنكرات، الآمرة بالمعروف والباقيات
الصالحات، المنبهة على ما فيها من فوائد الخير ومنافعه في الدنيا والآخرة،
وغوائل الشر ومضارّه في الدنيا والآخرة - وعلى سيرة النبي صلى الله عليه وسلم
وأصحابه ومن اهتدى بهديهم من الصالحين رضوان الله عليهم أجمعين.
(٥) وأما الأعمال، كالوضوء والتيمم والصلاة والحج، فقد بينت أنه ينبغي
أن تعلم بالعمل كما ورد في الأحاديث الصحيحة، ومنها حديث (صلوا كما
رأيتموني أصلي) , وإذا قرأ الإنسان جميع الكتب ولم يتلق الأمور العملية بالقدوة
فإنه لا يحسنها على أن الأقوال لا يستغنَى عنها في كثير من المسائل.
ذكرت في عدة دروس وخطب أن هذه الطريقة هي التي يمكن تعميمها في مدة
قليلة ترجى فائدتها ويظهر أثرها , وأنه من استطاع أن يعلم الناس كلهم أو بعضهم
ما زاد على ذلك من كتب الكلام والفقه وغيرها فليفعل فالطريقة التي تقترحها لا
تكون مانعة له بل تكون مسهلة عليه , ولكني أرى أن من المتعذر تعميم تعليم هذه
الكتب فلنبدأ بالممكن الأسهل طريقًا الذي لا بد منه لكل مسلم.
(٦) الحث على تأسيس الجمعيات الخيرية لإنشاء المدارس ونشر التعليم
الذي يتحقق به المقصد الأول من هذه المقاصد , وهو الجمع بين الدين والعلوم
ولإعانة المنكوبين والمعوزين عند الحاجة لتكون طبقات الأمة متعاطفة متراحمة
يحترم فقيرها غنيها ويرحم كبيرها صغيرها.
(٧) الحث على شكر نعمة الدستور بمساعدة جمعية الاتحاد والترقي على
إتمام عملها العظيم في داخل البلاد من مراقبة الحكومة لأجل الثقة بالعدل وحسن
الإدارة، ومن بث الآراء والأفكار التي تنفخ روح محبة الدستور والمحافظة عليه في
قلوب طبقات الأمة العثمانية. وقد خطبت وتكلمت في الاستبداد والدستور والمساواة
أكثر من مرة.
(٨) تنبيه الأمة إلى ما يجب عليها من محبة الدولة العلية وبذل المستطاع
في تأييدها وتعزيز جانبها. وموالاة الدول التي تواليها ومعاداة الدول التي تعاديها
ومجازاة هذه الدول بالإقبال على بضائعها أو بالإعراض عنها حتى تصير الدول
تخشى عداوتنا وترجو مودّتنا، فإنه لا شيء يهم أوربا من بلادنا مثل رواج تجارتها
فيها. ولما جاءنا نبأ ضم النمسا ولاية البوسنة والهرسك إلى أملاكها وإعلان البلغار
الاستقلال التام دون الدولة العلية , وتحدث الناس باحتمال محاربة الدولة للبلغار
وأظهر كثير من الشبان التطوع في الحرب بينت في خطاب ألقيته في نادي جمعية
الاتحاد والترقي بطرابلس وفي خطبة ألقيتها أمام الثكنة العسكرية في بيروت أن
الدولة إنما تحتاج إلى مساعدة الأمة بالمال دون تطوع الرجال؛ لأن ما عندها من
العسكر كاف لمحاربة أية دولة عظيمة إذا وجد المال الكافي لتجهيزه. ثم رأيت بعد
أسابيع من آخر خطبة ألقيتها في ذلك بعض الجرائد المصرية تقول مثل هذا القول
الواضح لكل عارف بالحقيقة.
(٩) بيان التفاوت بين الشعوب والملل في البلاد العثمانية في العلوم
والمعارف والاستعداد للقيام بأعمال الحكومة والكسب والاستطراد من ذلك إلى أن
العرب أشد تقصيرًا في ذلك من الترك والأرمن والأرناؤوط , كما أن المسلمين من
العرب أشد تقصيرًا من النصارى، ولَفتُّ الأذهان إلى مضرّة هذا التفاوت إذا طال
أمره؛ لأن الوحدة العثمانية لا تتحقق إلا باتفاق جميع الشعوب والفِرَق التي تتكون
منها الأمة العثمانية واشتراكها في الأعمال التي تصلح بها الدولة وتعمر بلادها،
وهذا الاتفاق والالتئام من نتائج التقارب في التربية والتعليم، فلا بد من عناية
العرب عامّة والمسلمين منهم خاصّة بالتربية والتعليم؛ بقصد مجاراة غيرهم من
إخوانهم العثمانيين , وتمكين رابطة الاتحاد بهم ومساواتهم في أعمال الحكومة
ومجاراتهم في الأعمال الحرة , وإلا ساءت العاقبة وخيف أن تساعد أوربا في
المستقبل كل جنس على الاستقلال , وتجعل العرب تحت سيطرتها لعدم استعدادهم
لتكوين حكومة مدنية.
(١٠) تكريم الشعب وتنبيهه إلى أنه أهل لكل مكرمة وكل خير، وإن
العامي إذا اتقى الله فاجتنب الشرور والمعاصي ولزم الطاعة ورغب في الخير والبر
فإنه يكون خيرًا وأفضل من كثير من المتعلمين الذين لا يستعملون علمهم إلا لجر
المنافع إلى أنفسهم ولو بالباطل، وإن الفقير القانع الصالح أفضل من الغني الذي لا
ينفع الأمة بغناه، ولا يقف في الكسب عند حدود الله، وإن كثيرًا من الفقراء يمكنهم
أن يبذلوا شيئًا قليلاً من الصدقة، على قدر حالهم، للجمعيات الخيرية وبذلك يُعدُّون
من خَدَمَة الأمة ونحو ذلك.
هذه هي المقاصد التي كان يدور عليها كلامي وكان يفهمها المتعلم والعامي:
هذا يفهم فهمًا إجماليًّا، وذلك يفهم فهمًا تفصيليًّا، وقد رضيها وأثنى عليها جميع من
لقيت من العلماء والأدباء وظهر لها أثر حسن في الدهماء، لما عليه أهل بلادنا من
الذكاء، وقد سألت أكثر من واحد من أهل العلم الذين سمعوا الخطب والدروس
الدينية التي كنت ألقيها في المساجد: هل انتقدتم عليَّ شيئًا فأتقي العود إلى مثله؟
فيقولون ما يقول أهل الفضل في هذا المقام إذا كان ما سمعوا مستحسنًا عندهم غير
منتقد، ذكرت هذه الكلمة تمهيدًا لما يأتي.
(حادثة الشام)
ذكرت جريدة الاتحاد العثماني خبر تلك الحادثة، ولم تخطئ إلا في قولها:
إنني سافرت من الشام ليلاً، والصواب: أنني صليت الفجر فيها وسافرت في
القطار الذي يخرج منها بعد مطلع الشمس. وقد علم القراء أن ذلك الرجل الذي قطع
علي الدرس قبل إتمامه لم يَدَّعِ في مجلس الدرس أنني قلت شيئًا وأخطأت فيه ,
وإنما تكلم كلامًا مستقلاًّ في مسألتين , لم أتعرض لهما في ذلك الدرس ولا في غيره
من دروسي في بر الشام بإثبات ولا نفي، وهما مسألة تقليد الأئمة الأربعة واعتقاد
فضلهم وهدايتهم، ومسألة زيارة القبور واحترام الصالحين والتوسل بهم. وقد كان
صاحب الفضيلة مفتي الشام حاضرًا ذلك المجلس، فإياه أسأل دون أولئك الألوف
التي كانت حاضرة الدرس: هل سمع مني كلمة مخالفة للشرع؟ إن كان سمع شيئًا
مخالفًا فأُذكِّره بالميثاق الذي أخذه الله على الذين أوتوا الكتاب (ليبيننه للناس ولا
يكتمونه) أن يبين لي ذلك في كتاب خاص يبعث به إليّ، وأنا أنشره في المنار ,
وغيره مع بيان ما عندي فيه، أو في رسالة ينشرها في بعض الصحف ليظهر الحق
لطالبه , ولا يخوض الناس في الباطل بغير علم. وسأكتب إليه كتابًا خاصًّا أسأله
فيه هذا البيان، وهو أعلم بما ورد في الكتاب العزيز والأحاديث الشريفة في وعيد
كاتمي العلم.
(كشف شبهتين أو ثلاث)
إذا كنت لم أتعرض لذكر زيارة القبور والتوسل بالأموات الصالحين في شيء
من كلامي في بلاد الشام، فقد اشتهر عني أنني كتبت كثيرًا في إنكار البدع المتعلقة
بذلك. وإذا لم أكن قد تعرضت هنا لذكر الاجتهاد والتقليد فقد علم الكثيرون أنني
كتبت بذلك كثيرًا. وكنت أعرض كل ما أكتبه ولا أزال أعرضه لنقد العلماء وأنشر
كل ما يرد علي منهم في ذلك، ولا تتسع هذه الجريدة لذكر شيء من ذلك، وإنما
أريد هنا كشف شبهتين خاض فيهما بعض الناس بسوء نية، وبعضهم بإخلاص
وحسن قصد، ولكن مع سوء فهم أو تصديق للكاذبين الذين يشيعون عنا الأباطيل
حتى زعموا أننا ننكر وجود الملائكة وجودًا مستقلاًّ.
الأولى: أشيع عني أنني أطالب كل مسلم بأن يكون مجتهدًا مثل الأئمة
رضوان الله عليهم! وربما تطرف من يستبيح الكذب لإرضاء هواه، فزعم أنني
أطعن في الأئمة المجتهدين! وأقول في الجواب عن هذه الشبهة: إنه لا يطالب الناس
بمثل ما ذكر إلا من كان لا يعقل أن هذا من طلب المحال، لقصور استعداد أكثر
الناس عن ذلك أو عدم تفرغهم له. ومن فهم أنني أعني هذا بالترغيب في الاهتداء
بالكتاب والسنة فهو مخطئ، فإنما أعني به أن وعظ الناس وتذكيرهم بالكتاب والسنة
هو الذي يؤثر في قلوبهم ويبعث روح الدين في نفوسهم، وأطالب المشتغلين بالعلم
أن يعنوا بفهمهما ويذكروا العامة بهما، سواء منهم من تفرغ لدرس كتب المذاهب،
كبعض طلاب العلم ومن لم يتفرغ له كأكثر العامة. ومسألة النهي عن التقليد مسألة
أخرى يراد بها فهم كل قول بدليله لا أن يكون كل مشتغل بالعلم قادرًا على تدوين
مذهب! ! وهذا ما أعنيه بالإصلاح الديني وملخصه أن يُعْنَى المشتغلون بعلم الدين
بفهم الكتاب والسنة بقدر الاستطاعة وفهم كلام الأئمة بدليله، وأن يبذلوا جهدهم
بإرشاد العامة بهما كما تقدم. وهذا هو عين اتباع الأئمة، وقد ورد عنهم نصوص
كثيرة مصرحة به، وهو غير التقليد الذي نهوا عنه.
الثانية: إنني لم أنكر زيارة القبور، وإنما أنكر دائمًا ما يكون عند زيارتها من
البدع التي لم تكن على عهد السلف الصالحين، ولم يقل بمشروعيتها أحد من الأئمة
المجتهدين، وأقول: إن حب الصالحين والأولياء المقربين من الأحياء والميتين إنما
ينفع ويكون وسيلة إلى الله عز وجل إذا أفاد صاحبه التشبه بهم في خشية الله وتقواه
بترك المعاصي والعمل الصالح مع الإيمان الصحيح وإلا كان غرورًا. ومن الغرور
الذي يمنعه الإسلام دعاء أصحاب القبور بما لا يطلب إلا من الله , واعتقاد أنهم
يستجيبون لمن دعاهم! وأن لهم سلطة غيبية وراء الأسباب والسنن الإلهية، ينفعون
بها ويضرون، ويعطون ويمنعون، فهذا الاعتقاد عبادة باطلة، وإن سميت توسلاً،
فإن الأسماء لا تغير الحقائق.
ومما يتعلق بهذه المسألة بحث الكرامات، وأنني لم أنكر جواز الكرامات ولا
وقوعها، ولكن بينت أنها لا تكون مخالفة لسنن الله تعالى في خلقه بتغيير أو تبديل
أو تحويل، لأن الله تعالى أخبر بأن سننه لا تتبدل ولا تتحول. وإنها لا تكون
معتادة كأنها صنعة بيد الولي! بل قال في الفتوحات: إنها لا تتكرر، فإن المكرر
يكون معتادًا لا خارقًا للعادة , وغير ذلك من الأغلاط التي لا دليل عليها في الشرع
ولا العقل. وحذرت عوام الأمة من الدجالين المحتالين الذين يُدْخِلون عليها التلبيس
من هذا الباب. فمن أراد أن يقف على التفصيل في ذلك فليراجع المجلد الثاني
والمجلد السادس من المنار، ففيهما بضع عشرة مقالة مطولة في الكرامات. ومن
يدعي أن شيئًا من كلامنا المجمل هنا والمفصل هناك مخالف للشرع , فعليه أن
يكتب إلينا دعواه مؤيدة بالدليل لننشرها له، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
... ... ... ... ... ... ... ... ... محمد رشيد رضا