للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: محمد رشيد رضا


فتاوى المنار

الحيلة في الطلاق الثلاث
(س١٠٧) محمود أفندي أبو المكارم بطنطا , من علماء الجامع الأحمدي
رجل يناهز السبعين من العمر قضى نحو أربعين سنة في وظيفة التدريس وللعامة
ثقة بفتواه , وقد اعتاد أن يرجع المطلقة من زوجها ثلاثًا أو أكثر إليه بفتوى لا أظن
أن الكتاب والسنة يبيحانها ولا السلف الصالح سبقه إليها. ذلك أن الرجل إذا أتاه
فأخبره بأنه طلق زوجته ثلاثًا , ولم يجد من هذا الرجل شبهة أو تحريفًا في كيفية
الحلف كالتنفس في أثناء اليمين القاطع للكلام أو غير ذلك من الحيل؛ يقول له:
من الذي وكل لزوجتك عند العقد عليها أهو وليها أم غيره؟ فإن قال له الثانية؛
حكم بفسخ العقد الأول وعقد له عليها ثانية , ولو كان رزق منها بأولاد. وقد حدثت
منه هذه الفتوى لأقرب الناس إلي من عدّة سنين , وملخص هذه الواقعة أن لي قريبًا
تزوج بفتاة بالغة عاقلة رشيدة وكلت رجلاً أجنبيًّا لأنها لا أقارب لها إلا ابن خالة
كان في هذا الوقت على ما أظن لم يبلغ الحلم , ومكث هذا القريب مع زوجته هذه
عدة سنين رزق منها فيها بعدة أولاد , وحدث أنه طلقها طلقة وراجعها ثم بعد مدة
طلقها ثلاثًا , وسأل عدة من العلماء فأفتوه بأن لا مسوغ شرعًا لإرجاعها إليه حتى
تنكح زوجًا غيره , فأتى إليه هذا العالم وأفتاه بما تعود عليه من الفتوى , وعقد له
عليها جديدًا , والمستفتي في الحقيقة معذور لجهله بالشريعة وثقته بما يتحلى به هذا
العالم من العمامة والجبة ذات الأكمام الواسعة , وقد عمت هذه البلوى فأرجو إفادتي
على صفحات مجلتكم الغراء عن ما ترونه في هذه الفتوى هل هي موافقة للكتاب
والسنة أو أتى بمثلها السلف الصالح أم لا؟ فإن كانت الأولى فما النصوص؟ وإن
كانت الأخرى فما قولكم في النظام الواقع بعد العقد الجديد؟ وما حكم الشريعة فيما
أعقباه من الأولاد بعد هذا العقد؟ فهذان سؤالان أرجو الإجابة عليهما بعد إثباتهما
على صفحات المجلة حيث لا ثقة لنا إلا بإرشاداتكم، جعلكم الله هادين لهذه الأمة التي
أصبحت عديمة النصير حتى يرتجع أصحاب الغايات المضلين إلى أصل الشريعة
الغراء.
(ج) إن ما ذكر في السؤال من كيفية إرجاع المطلقة ثلاثًا إلى المطلق لم
يعرف عن أحد من السلف الصالح , ولا يدل عليه كتاب , ولم تمض به سنة ,
وإنما هو من احتيال المتفقهة المبني على اختلاف المذاهب , وهو من مفاسد التقليد
للعبارات من غير مراعاة نصوص الشرع وحكمه , والكتاب والسنة لا اختلاف
فيهما {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً} (النساء: ٨٢) فمن
عمل بهما لا يمكن أن يفتي في المسألة الواحدة (كالطلاق الثلاث) بفتاوى مختلفة ,
وما أظن الرجل يدعي ذلك فيبين خطؤه بذكر الآيات والأحاديث , وإنما يدعي أنه
يفتي بمذاهب الأئمة عليهم الرضوان فنقول في بيان خطئه: إنه لم يقل أحد منهم
بجواز إقامة الرجل مع المرأة زمنًا بعقد على مذهب ثم اعتباره فاسدًا وتجديد عقد
آخر على مذهب آخر , واعتبار الأولاد الذين ولدوا لهما في زمن كل من العقدين
أولادًا شرعيين. وقد صرحوا بأنه (إذا عمل العامي بقول المجتهد في حكم مسألة
فليس له الرجوع منه إلى غيره اتفاقًا , وأما في حكم مسألة أخرى فيجوز له أن يقلد
غيره، على المختار) وذلك أن التزام أحد أقوال المجتهدين بالعمل به يرفع الاختلاف
بالنسبة إلى العامل كحكم الحاكم.
ربما يقول هذا الملفق: إن عمله من التلفيق الذي أجازه بعض العلماء. ونحن
نعترف بأن بعض العلماء أجاز التلفيق خلافًا لما جاء في كتاب الدر المختار من
كتب الحنفية من حكاية الإجماع على بطلان الحكم الملفق , ولكن الذي يجيزه
يشترط أن يكون في مسألة واحدة بحيث يأتي بحكم لم يقل به أحد من المسلمين ,
وأن لا يكون فيه رجوع عما عمل به أو عن لازمه إجماعًا كما هنا، ذكر هذا ابن
نجيم في رسالته في بيع الوقف بغبن فاحش وقال: إنه مأخوذ من إطلاقهم جواز
تقليد من قلده في غير ما عمل به. وإذا كان العاميّ الغافل عرضة للمتجرين بالدين
يصدق كل ما يقولون، فكيف يتجرأ العالم المدرس على الفتوى بأقوال متناقضة
كالقول بأن الولي شرط في صحة النكاح والقول بأنه غير شرط مع علمه بأن الحق
واحد واجتماع النقيضين محال. أيعمل بقول من قال: نحن مع الدراهم قلة وكثرة؟
وهل يستحل أولئك الذين أجازوا لأنفسهم الفتوى بالقولين المتضادين لكثرة الدراهم
أن يفتوا بهما الرجل الواحد في الموضوع الواحد؟ أم يخففون وطأة جميع الأحكام
الدينية فيفتون كل مستفتٍ بقول ليكون هذا مقلدًا لفلان والآخر مقلدًا لعلان؟ إذ لا
معنى لتقليد شخص واحد لعالمين مختلفين في مسألة واحدة لها لوازم مختلفة كواقعة
السؤال.
أما ما كان عليه السلف في مسألة الطلاق الثلاث فالإجماع على أن من طلق
امرأته ثلاث مرات فإنها لا تحل له حتى تنكح زوجًا آخر نكاحًا صحيحًا مقصودًا ,
وهذا ظاهر نص القرآن , وجرت به السنة , وعليه العمل. واختلفت الروايات
والأحاديث في الطلاق مرة واحدة بلفظ الثلاث، فالمذاهب الأربعة على اعتبارها ثلاثًا
إلا بعض الحنابلة كابن تيمية وابن القيم ولهم سلف وحديث صحيح يحتجون به ,
وتقدم تفصيله في المنار فلا نعيده , وإنما نقول: إن عمل العالم المذكور في السؤال
ليس عليه إلا أن يكون بعد العدة , وعليه إذا طلق الزوج مرة أخرى كانت ثالثة لها
حكم الثلاث.
***
توبة الآيس
(س ١٠) ن. ب الطالب بمدرسة خانقاه في (سراي بوسنة) : ما تقولون
في توبة الآيس هل تصح أم لا؟ صرح كثير من العلماء بصحة توبته وقبولها عند
الله استدلالاً ببعض الأحاديث مع أنهم قائلون بعدم صحة الإيمان وقت اليأس ,
وفرقوا بينهما بأن التوبة تجديد عهد والإيمان إنشاء عهد لم يكن، وبوجوه أخرى
سوى هذه. وآية {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ
المَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ} (النساء: ١٨) بظاهرها
تنادي على خلاف ذلك. نحن نطلب رأيكم في ذلك، عمَّركم الله سبحانه وتعالى.
(ج) إن الله تعالى ما ذكر في هذه الآية الذين لا توبة لهم عنده إلا بعد أن
ذكر الذين تقبل توبتهم في الآية التي قبلها بصيغة الحصر وهي: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى
اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ
اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً} (النساء: ١٧) والمعنى ظاهر فصيح لا تعارضه تلك الأقيسة.
وما ورد في بعض الأخبار من أن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر فهي
واردة في معرض الزجر عن اليأس من رحمة الله والترغيب في التوبة ما دام
الإنسان حيًّا. وهو الواجب على المسلم إذ هو قبل الغرغرة مكلف بجميع الأحكام
الشرعية بشروطها , ومنها وجوب التوبة إذا كان عاصيًا. ولكن افرض أن الكتاب
العزيز لم يبين هذه المسألة بهذا الإيضاح الذي نراه في الآيتين، بل وَكَلَها إلى أفهام
الناس وعقولهم , فهل يتصور عقلك أن التوبة تتحقق ممن حضره الموت وأيقن
بمفارقة الدنيا؟ أليس معنى التوبة الرجوع عن المعصية إلى الطاعة مع التأسف
على ما مضى , والعزم على الاهتداء والاستقامة فيما يأتي طوعًا واختيارًا لطاعة
الله على معصيته؟ وهل هذا معقول ممن حضره الموت؟
ثم إن الحكمة من بعثة الرسل وإنزال الشرائع هي إصلاح الأرواح وترقيتها
بالإيمان الصحيح والعمل النافع ليصلح حال الناس في الدنيا ويكونوا أهلاً لجوار الله
تعالى في الآخرة مع أصحاب الأرواح العالية من الملائكة والنبيين , والتوبة من
الكفر أو من المعاصي عند حضور الموت لا تفيد صاحبها شيئًا من هذه الحكمة ,
فهي ندم عند استقبال الآخرة كالندم في الآخرة لا يفيد لأن وقت العمل قد فات،
ولكن من يتوب قبل حضور الموت أي قبل الشعور بنزوله به ويأسه من الحياة فلا
بد أن تكون نفسه قد أعرضت عن باطلها الأول وأذعنت بقبحه وتوجهت إلى الحق
والخير وهي ترجو العمل به لأملها بالحياة , وهذا صفاء في النفس وارتقاء عظيم
تستفيد به لأنها قد ارتقت عن طبقة الأشرار وإن عاجلها الموت عقيبه فلم تتمكن من
العمل الصالح الذي توجهت إليه , ولكنها لا تكون في مرتبة الذين عملوا وأصلحوا
{أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
سَوَاءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُون} (الجاثية: ٢١) .
وهنا بحث أدق من هذا وهو: هل يصرّ الإنسان على عمل السيئات
والمعاصي ثم يتوب قبيل الموت توبة صحيحة ترتقي بها روحه عن أرواح الأشرار؟
وبعبارة أخرى: هل جرت سنة الله تعلى بأن النفس التي تكيفت بأفعال الشر
والخبث تدريجًا حتى صارت أخلاقها وصفاتها سيئة وملكتها رديئة تنقلب فجأة إلى
ضد ما تكيفت به؟ المعروف في علم النفس هو ما يستفاد من آيتي التوبة المشار
إليهما في السؤال والجواب فإن قوله: {يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ} (النساء: ١٧) يفيد
أن الحكمة بالقرب عدم تأثر النفس بالإصرار , ويفيده أيضًا قوله: {يَعْمَلُونَ السُّوءَ
بِجَهَالَةٍ} (النساء: ١٧) أي بسفه عارض كسورة غضب أو ثورة شهوة أي لا
بالميل الغريزي إلى الشر والخلق المطبوع , ولذلك لم يأت بهذا القيد في آية من
يقبل توبتهم. ومن قوله تعالى: {بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ
أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (البقرة: ٨١) وقوله: {كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى
قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ * كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ} (المطففين:
١٤ - ١٥) ومن حديث النكتة السوداء. ومن قول السلف: المعاصي بريد الكفر ,
وعلم النفس والأخلاق يفيدنا أن الملكات التي تنطبع في النفس بالعمل هي صفة
للنفس كصفات الجسد، وأن مقاومة الأخلاق السيئة إنما تكون بترك العمل الذي هو
أثر الخلق الذميم , والمواظبة على عمل يضاده زمنًا طويلاً مع التكلف ليحدث في
النفس وصف يضعف ذلك الوصف ويغلب عليه , ومن عني بتهذيب نفسه أو غيره
في الكبر ولو بمقاومة بعض العادات والأخلاق يعرف صعوبة هذا الأمر وتعسره.
نعم إن من خلط عملاً صالحًا وآخر سيئًا فتزاحمت في نفسه آثار الخير وآثار الشر
يرجى أن يغلب في آخر عمره أثر الخير بتوفيق الله تعالى كما قال تعالى في بعض
المتخلفين عن الجهاد من المؤمنين في واقعة تبوك: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ
خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيم} (التوبة: ١٠٢) وربما كانت توبة الكافر من الكفر قبيل الموت أقرب إلى المعقول
لأن الإيمان مسألة عقلية، إذا زالت الشبهة وقامت الحجة يزول الكفر ويستقر
الإيمان حالاً.
وإذا طلبت زيادة النور في هذا المقام فعليك بمطالعة كتاب التوبة للإمام
الغزالي وما كتبه في معنى (سوء الخاتمة) نعوذ بالله منها في باب الخوف من
الجزء الرابع من الإحياء. ولا تأخذ بظواهر أقوال بعض الفقهاء وتعليلاتهم اللفظية
كقولهم عهد جديد وعهد قديم وغير ذلك. والله أعلم. وسنجيب عن سؤالك الآخر
في جزء آخر إن شاء الله تعالى.