للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: رفيق بك العظم


أسباب سقوط الدولة الأموية [*]

سادتي:
وعدتكم يوم الخطبة الغراء التي خطبها فينا الأستاذ الخضري في ترجمة أبي
مسلم الخراساني؛ أن أقول كلمة ألمُّ فيها بشيء من الأسباب التي دعت إلى ضعف
الدولة الأموية، وتيسر قيام الدعوة العباسية، وانتشارها في المملكة الأموية بواسطة
أبي مسلم وأضرابه من رجال الدعوة، ثم نجاحهم في الأمر، وقلبهم الدولة الأموية،
وثل عرشها، وقيام الدولة العباسية مقامها.
ولما هممت بتتبع التاريخ من أجل هذه الغاية، عذرت الأستاذ الخضري
لاكتفائه بإيراد سيرة أبي مسلم، وما كان من انتشار الدعوة العباسية؛ لأنه لو أراد
أن يطرق هذا البحث، ويتبسط في مناحيه لاحتاج إلى الوقوف أمامكم ساعات،
وأنا بعده كذلك، ومع هذا فلا نكون وَفَّيْنَا هذا البحث حقه من البيان؛ لذا ألتمس من
حضراتكم المعذرة فيما سأتلوه عليكم مختصرًا في هذا الباب، ولو أضعت وقتًا ما
في تمهيد الكلام ببحث في الخلافة؛ لارتباط هذا البحث بسقوط بني أمية وقيام دولة
العباسيين.
تمهيد
تعلمون أيها السادة أن السلف اختلفوا في: هل الخلافة واجبة شرعاً أو عقلاً؟
والذين قالوا: إنها واجبة عقلاً، قالوا: إنها وجبت بالعقل؛ لما في طباع العقلاء
من التسليم لزعيم يمنعهم من التظالم، ويفصل بينهم في التنازع والتخاصم، إلى
آخر ما قالوه.
وتعلمون أن ما وجب بالعقل وجب تحكيم العقل فيه، ولما كان تعريف الخلافة
أنها حمل الكافة على الشرع، وإنما تحمل الكافة على الشرع بمن تتوفر فيه شروط
اللياقة لتولي أمور الأمة أيًّا كان من المسلمين، فقد ترك الشارع صلى الله عليه
وسلم أمر الخلافة لرأي الأمة، تحكم فيه ضمائرها وعقولها دون أن ينص على
شخص بعينه.
ومما يدلنا على أنه ليس هناك نص ديني من قبل الشارع على تخصيص
الخلافة بعلي أو العباس وآلهما أو غيرهم من المسلمين؛ أن أبا بكر لما احتج على
الأنصار يوم السقيفة، لم يحتج عليهم بخبر عن الرسول، بل بالكفاءة والاستحقاق
ورضا الأمة فيمن تختاره أميرًا عليها، حيث قال:
(يا معشر الأنصار: إنكم لا تذكرون فضلاً إلا وأنتم له أهل، وإن العرب
لا تعرف هذا الأمر إلا لقريش؛ هم أوسط العرب دارًا ونسبًا، قد رضيت لكم أحد
هذين الرجلين) وأخذ بيدي عمر بن الخطاب وأبي عبيدة بن الجراح , فكثر اللغط
بين الأنصار حتى بادر عمر بن الخطاب وقال: ابسط يدك أبايعك , فبسط
يده، فسبقه بشير بن سعد من الأنصار فبايعه، وبايعه سائر الناس.
ولو كان هناك نص على علي، لما فات أبا بكر وسائر الناس، ولما قال
الأنصار منا أمير ومنكم أمير، وهم أول من نصر رسول الله في حياته، فلا
يعدلون عما أمر به بعد وفاته، وعلي نفسه اعترف بصحة خلافة أبي بكر، ولم
ينازعه عليها باسم الدين؛ إذ خطب مرة فقال:
(لقد أمر النبي أبا بكر أن يصلي بالناس، وإني شاهد وما أنا بغائب، وما
بي مرض، فرضينا لدنيانا ما رضي به النبي لديننا) .
توفي أبو بكر، فولي الخلافة بعهد منه عمر بن الخطاب ثم توفي عمر،
فصرفتها الشورى إلى عثمان، وعلي معروف المكانة من الدين والقرابة من رسول
الله، فلم يقل فريق منهم بصرفها إليه باسم الدين، وكل ما قيل وكتب بعد ذلك من
المغامز التي غمزت بها الشورى، أو غمزت بها ولاية أبي بكر وعمر ليست
بصحيحة، وما جاء من أخبار الخلاف على الخلافة بين الصحابة، لا يحمل على
غير ما يقع عادة من النزاع بين المتنافسين على الإمارة في كل أمة وجيل، لكن
صَوَّرَهُ الإمامية بعدُ بالصورة التي توافق مذاهبهم السياسية والدينية، حتى تمكنوا
من صبغه بصبغة الدين، والقول بوجوب الإمامة شرعًا لعلي وآله، وسوقها بعد
ذلك في بنيه أو بني عمه العباس باسم الدين.
علمتم أيها السادة من هذه المقدمة؛ أن الخلافة صارت إلى أبي بكر ثم إلى
عمر ثم إلى عثمان رضي الله عنهم، ولم يقم بين العرب من أجلها أدنى نزاع باسم
الدين، بل كان العقل هو المحكم والمصلحة رائد جمهور العقلاء من الأمة بقطع
النظر عما إذا كان علي (رضي الله عنه) حقيقًا بالخلافة، فإنه حقيق بلا شك ولا
ريب، وإنما كانت هناك ظروف وأحوال، إذا وصل إلينا خبر بعضها، فإنا نجهل
بعضها الآخر بتاتًا، وقد راعى جمهور الصحابة تلك الظروف والأحوال مماشاة
لسنة الطبيعة والعقل، فقدموا عليه الثلاثة الكرام، ولو كان للدين حكم باستخلاف
علي لما عدلوا عنه إلى العقل، ومكانتهم من الدين سامية، شهد لهم بها القرآن
الكريم والنبي العظيم.
إذًا فمن أين دخلت السياسة في الدين، فجعلت الخلافة حقًّا شرعيًّا من حقوق
آل البيت، ومتى ظهر النزاع عليها باسم الدين، وظهرت مقالة الإمامية التي
تلتها بدع كانت آفة المجتمع الإسلامي، ومنها مسألة المهدوية التي عانى
ويعاني المسلمون مضضها إلى اليوم؟ الجواب عن هذا يعرفه كل مطلع على
التاريخ وكلكم مطلع عليه: دخلت السياسة في الدين، وظهرت مقالة الإمامية
لما دخل الأعاجم في الإسلام، وظهر هذا الدين وأهله على الأمم، وذلك بعد
مضي صدر خلافة عثمان.
وأول من قام بهذه الدعوة عبد الله بن سبأ وإخوانه من الموالي وأبناء الملل
الأخرى الذين دخلوا في الإسلام، وابن سبأ هذا هو من الذين أحرقهم علي (رضي
الله عنه) لغلوهم فيه.
تلك البذرة الصغيرة التي بذرها ابن سبأ وإخوانه من جمعية الدعوة العلوية،
أنبتت ذلك النبات العظيم الذي قوي فيما بعد على ما حوله، فأكل دولة الأمويين في
المشرق أكلاً بعد أن دخلها الضعف من جهات أخرى، وهذا موضوع البحث، وها
أنا ذا متكلم فيه.
الموضوع
تولى عثمان (رضي الله عنه) الخلافة بانتخاب أهل الشورى، وعمل فيها
ست سنين لا ينقم المسلمون منه شيئًا، وإنما اضطرب أمره في السنين الست التالية
من خلافته، حيث اتسعت دائرة الفتح، وكثر الموالي اللاجئون إلى المدينة من
الأطراف، ودخل في الإسلام أو تحت سلطته أقوام لم يكن لهم ما للعرب يومئذ من
العصبية والقوة والأخلاق الحربية العالية، فخضعوا لجيوش العرب طوعًا أو كرهًا،
وكان استغراقهم في الحضارة، جعل فارقًا عظيمًا بينهم وبين العرب الذين كانوا
على جانب عظيم من سلامة الفطرة والأخلاق الثابتة المستقيمة، فكان ذلك من
الوسائل التي جعلت أولئك الأقوام يأتون العرب من جهة العقائد تارة والسياسة
أخرى، فألقوا بينهم أول بذرة من بِذار التفريق في الدين والسياسة بواسطة الدعاة
منهم؛ كعبد الله بن سبأ المذكور وحمران بن سودان، والأول لم يترك مصرًا من
الأمصار الكبيرة كالشام ومصر والبصرة والمدينة إلا دخله؛ لأجل بث الدعوة،
وزرع هذه البذار الجديدة في النفوس.
والأرض البكر الصالحة سريعة الإنبات بالضرورة، ولا سيما أن العرب
محبون بطبعهم للتحزب ميلاً مع العصبيات التي كانت تتنازعهم في عصر الجاهلية
فتقبلوا الدعوة إلى نصرة عليّ، وأنه أحق بالخلافة دينًا بشيء من القبول، وأخذت
تتمكن من نفوس بعضهم هذه المقالة الجديدة، حتى أفضت إلى انقسامهم إلى حزبين
ينتصر أحدهما لعلي والأخر لعثمان.
قامت الفتنة من ثم على الوجه الذي عرفناه في التاريخ، وانتهت بقتل عثمان
(رضي الله عنه) ، وقيام علي ومعاوية يتنازعان إمارة المؤمنين، وانقسم يومئذ
هذان الحزبان إلى أحزاب أخرى سياسية ودينية، كانت الغلبة فيها للقسم الذي شايع
معاوية باسم القوة والعصبية لا باسم الدين والشريعة؛ لأن الشريعة نفسها تحتاج في
تنفيذها واستمرارها إلى القوة كما تعلمون.
لما تطاحن العرب من أجل النزاع على الخلافة، بتلك الروح الدينية التي بثها
بينهم دعاة الفتنة، ورأى فريق منهم أن عاقبة هذه الحرب الآكلة، ربما أتت على
العرب ودينهم وملكهم من أجل الإمارة , أجمعوا رأيهم على الخروج عن جماعة
المتقاتلين، وألفوا لأنفسهم حزبًا سياسيًّا برئاسة عبد الله بن وهب الراسبي، غايته
نسف الخلافة وطلابها من قريش نسفًا، وأن يقام الإمام من غير قريش على شرط
أن يحكم برأيهم، وعلى ما يشيرون به أو ينتهجون له من طرائق العدل وإلا عزل
ونصب غيره، وإلا فلا لزوم لإمام أصلاً. ومعناه أن تكون الحكومة جمهورية
بالضرورة، وإليكم ما قاله عن هذا الحزب صاحب الملل والنحل قال:
(إنهم جوزوا أن تكون الإمارة في غير قريش، وكل من ينصبونه برأيهم،
وعاشر الناس على ما مثلوا له من العدل واجتناب الجور كان إمامًا، ومن خرج
عليه يجب نصب القتال معه، وإن غير السيرة وعدل عن الحق وجب عزله أو قتله،
وهم أشد الناس قولاً بالقياس، وجوزوا أن لا يكون في العالم أمام أصلاً، وإن
احتيج إليه فيجوز أن يكون عبدًا أو حرًّا أو نبطيًّا أو قرشيًّا) .
هذا رأيهم الذي أورده صاحب الملل والنحل، ومنه تعلمون أن مبدأهم
جمهوري بحت لا سيما في التشريع، يظهر لنا ذلك كل الظهور من قوله: من
ينصبونه برأيهم، وعاشر الناس على ما مثلوا له أي: على ما سنوا وشرعوا له
بالضرورة.
وقوله: وكانوا أشد الناس قولاً بالقياس. وكلكم يعلم ما هو القياس بالنسبة
لمن يريد التوسع في الأحكام بما يدور مع الزمان والحاجة؛ ولذا فقد جاز لنا أن
نسمي هذا الحزب؛ أول حزب جمهوري في مباديه ومراميه ظهر في الإسلام، ولو
لم يعجل باستعمال السلاح لتأييد مباديه، وحمل الأمة عليه بالقوة، وانتظر
ريثما تسأم جماعة معاوية الحرب القائمة من أجل الخلافة كما سئمتها جماعة علي،
لكانت مباديه هي السائدة إلى ما شاء الله في الأمة الأمية، ولا نقطع النزاع على
الخلافة منذ ذلك الحين.
ولكن من الأسف، أن ذلك الحزب لما عجل باستعمال القوة بعد مؤتمرهم الذي
عقدوه في حروراء خارج الكوفة، ودعوا من أجله بالحرورية، اضطر أمير
المؤمنين علي لقتالهم، وقاتلهم في النهروان، وكانوا نحو عشرة آلاف فقتلهم
جميعا إلا عشرة منهم أفلتوا من القتل، وتفرقوا في البلاد، وأخذوا يبثون دعوتهم
سرًّا فكان من ذلك ماذا؟
كان من ذلك أن انقلبوا إلى جمعية سرية، أقرت على الفتك بعلي ومعاوية
وعمرو بن العاص قائلة: فلنرح البلاد منهم، كما ذكر ذلك المؤرخون؛ لتبقى
إمارة المؤمنين شاغرة للأمة من المتنازعين عليها من قريش، وتختار الأمة أميرًا
عليها من شاءت من عامة المسلمين أو خاصتهم، كما هو من مقتضى مباديهم
التي مر ذكرها.
انتدب لهذا الغرض ثلاثة منهم هم عبد الرحمن بن ملجم المرادي للفتك بعلي،
وعمرو بن بكر التميمي لعمرو بن العاص، والبرك بن عبد الله الصريمي لمعاوية،
واتعدوا لسبع عشرة من رمضان، فقتل ابن ملجم عليًّا، ولم يتمكن الاثنان
الآخران من معاوية وعمرو، كما هو معروف في التاريخ.
وكانت هذه الجمعية السرية ثانية جمعية تألفت في الإسلام بعد الجمعية السبئية
التي تأسست في خلافة عثمان؛ للدعوة إلى علي كما تقدم في صدر البحث،
ومباديهما متباينة بل متضادة كما تعلمون.
بعد ذلك استصفى معاوية الخلافة لنفسه، وأدالها عن آل علي باستنزال
الحسن (رضي الله عنه) عنها، وأن يترك منازعته عليها، فتم له الأمر بهذا
وجمع كلمة العرب عليه واستمالهم إليه، فكانت له منهم عصبية كبيرة احتمى عنها
بها، وضرب ضعيفها بقويها، وقبض على زمام الخلافة بيد من حديد، وحماها
بلسان من سكر، واستمال بدهائه بني هاشم والمهاجرين وأبناء المهاجرين وجلة
الصحابة، تارة بالترغيب وتارة بالترهيب، حتى ملك ألسنتهم وقلوبهم، فانفرط
عقد الناس إلا عن بني أمية، واجتمعت كلمتهم على تأييد هذه الدولة أيما تأييد.
لكن هل زالت تلك الروح التي بثها دعاة الإمامية من الوجود، وهل أمكن
لمعاوية ومن خلفه أن يقتلعوا ذلك الغرس الذي غرسه خصومهم بالأمس؟
كلا، إن تلك الروح باقية، وذلك الغرس كان ينمو ليثمر ويأكل منه غارسوه
من غير العرب، ولو بعد قرن، وما القرن من أعمال الدول والأمم إلا كيوم مما
تعدون.
اغتصب الأمويون الخلافة اغتصابًا، والغاصب خائف كما يقولون، وهم إذا
تدرعوا بالقوة والعصبية، فخصومهم من بني هاشم متدرعون بالدين والمكانة الأدبية
التي لهم بين المسلمين، والعواطف الدينية إذا تكونت ونمت واندفعت بأهلها تدك
العروش وتزلزل قوات الدول، فاضطر الأمويون بعد معاوية إلى مطاردة بني هاشم،
والتنكر لهم، وفعل يزيد فعلته الشنعاء بأبناء فاطمة، فكان ذلك داعيًا إلى حذر
بني هاشم وسكوتهم إلى حين، وتستر شيعتهم وعملهم في الخفاء، إلى أن قامت
دولة بني مروان وآلت الخلافة إلى عبد الملك، فتولاها والفتنة مستعرة في
الأطراف، فالخوارج يريدون محو الخلافة، وشيعة المختار بن أبي عبيد الثقفي
يطالبون بدم الحسين، وعبد الله بن الزبير ينازع الأمويين على الخلافة، وعمرو
ابن سعيد الأشدق يريدها لنفسه , فماذا يصنع خليفة يستقبل مثل هذه العواطف؟
وبماذا تعيش دولة قامت في بحر من الدم؟
لا جرم أنها تلجأ إلى أقصى ما عندها من القوة، وتستعمل منتهى القسوة،
والقسوة تملأ الصدور حفيظة، وتلجئ الخصم إلى استعمال أساليب الختل، والتحيل
على أخذ الخصم على غرة منه.
ذلك ما دعا عبد الملك إلى استعمال منتهى القسوة في إخماد هذه الفتن، وألجأ
أخلافه إلا قليلاً منهم إلى انتهاج منهجه في معاملة الخارجين عليهم، واستعمال مثل
الحجاج بن يوسف في الأمصار النائية، واشتداد هؤلاء العمال على الناس، حتى
كان ذلك من جملة الأسباب التي أوغرت على الأمويين الصدور، ومهدت للدعوة
الهاشمية سبيل الانتشار في الخفاء، وعجلت على دولة بني أمية بالدمار.
بلغ من قسوة عبد الملك وإظهاره الشدة في تهديد من يناوئه؛ أن خطب بعد
قتل الزبير عام خمس وسبعين خطبة، قال فيها:
(أما بعد، فلست الخليفة المستضعف (يعني عثمان) ، ولا الخليفة المداهن
(يعني معاوية) ، ولا الخليفة المأفون (يعني يزيد) ، ألا وإن من كان قبلي من
الخلفاء كانوا يأكلون ويطعمون من هذه الأموال.
ألا وإني لا أداوي أدواء هذه الأمة إلا بالسيف، حتى تستقيم لي قناتكم.
تكلفوننا أعمال المهاجرين ولا تعملون مثل أعمالهم. فلن تزدادوا إلا عقوبة،
حتى يحكم السيف بيننا وبينكم! هذا عمرو بن سعيد قرابته قرابته وموضعه موضعه، قال برأسه هكذا فقلنا بأسيافنا هكذا.
ألا وإنا نحمل منكم كل شيء إلا وثوبًا على أمير، أو نصب رأيه. ألا
وإن الجامعة (أي القيد) التي جعلتها في عنق عمرو بن سعيد عندي، والله لا
يفعل أحد فعله إلا جعلتها في عنقه، والله لا يأمرني أحد بتقوى الله بعد مقامي
هذا إلا ضربت عنقه، ثم نزل) .
نعم.. إن السيوطي أوهن سند هذه الخطبة بقوله: في إسنادها الكريمي وهو
متهم بالكذب، لكن من درس أخلاق عبد الملك بن مروان لا يستبعد عليه النطق
بهذه الخطبة، اللهم إلا الفقرة الأخيرة، فربما كانت مدسوسة عليه، ومن أجلها
شكك السيوطي في صحة الخطبة، وإلا فإن قساوة الطبع التي عرف بها عبد الملك
لا يحتاج إثباتها إلى كثير إمعان، فإن تطبعه بالقساوة أكسبه خلق الثبات والجلد،
حتى ما يعبأ بالمصائب إذا توالت عليه.
ففي رواية لابن عساكر عن إبراهيم بن عدي قال: رأيت عبد الملك بن
مروان وقد أتته أمور أربعة في ليلة، فما تنكر ولا تغير: قتل عبيد الله بن زياد،
وقتل حبيش بن دلجة بالحجاز وانتقاض ما كان بينه وبين ملك الروم، وخروج
عمرو بن سعيد إلى دمشق، يعني مشاقًّا.
ولكي ينهج ابنه الوليد في الشدة منهجه، ولا تأخذه هوادة في أمر الملك أو
الخلافة، أوصاه قبل وفاته بوصية فيها:
يا وليد اتق الله فيمن أخلفك فيه - إلى أن قال: وانظر الحجاج فأكرمه، فإنه
هو الذي وطأ لكم المنابر، وهو سيفك يا وليد على من نأوءك، فلا تسمعن فيه قول
أحد، وأنت إليه أحوج منه إليك، وادع الناس إذا مت إلى البيعة، فمن قال برأسه
هكذا، فقل بسيفك هكذا) .
على أن الوليد مع استعماله منتهى اليقظة في ولايته، لم يسلك في الشدة مسلك
أبيه، بل عدل عنها إلى الفتح والإحسان إلى الناس، وشغل المسلمين بالفتوح
والعمران، فشيد المصانع والمستشفيات والمساجد الكبيرة؛ كمسجد دمشق والمسجد
الأقصى، وكتب إلى البلاد بإصلاح الطرق، وجعل لكل أعمى قائدًا، ولكل زمن
خادمًا، وأقام الفنادق فيما بين البلدان تسهيلاً على أبناء السبيل، وأمر بحفر الآبار
في الحجاز، إلى غير ذلك من الأعمال النافعة.
وبالجملة فقد كان عُمْرَانيًّا محبًّا لرقي البلاد، حتى كان الناس على عهده لا
يتكلمون بغير العمران، ووجَّه همه إلى انتقاء العمال، فولى خالد بن عبد الله
القسري مكة، وعمر بن عبد العزيز المدينة، وموسى بن نصير بلاد المغرب،
ففتح الأندلس كما هو معروف، وكثر الفتح في زمنه، ففتح قتيبة بن مسلم ما وراء
النهر إلى بخارى وسمرقند؛ أي: التركستان، وتجاوزها إلى بلاد التبت ففتح
عاصمتها كاشغر، وأوغل مسلمة بن عبد الملك من جهة أرمينيا في جبال القفقاس.
وهكذا انتهت مدة خلافة الوليد على أحسن حال رآها الأمويون؛ إذ استفحل
ملكهم، وعلا شأنهم وشأن دولتهم، وأحبهم العرب، حتى إذا ولي الخلافة سليمان
بن عبد الملك أراد قتيبة بن مسلم أن يخلع طاعته لأسباب لا محل لذكرها، فلم
يوافقه على ذلك جند خراسان، ووقع بينه وبينهم خصام أفضى إلى قتله، فخسرت
الدولة فاتحًا من أكبر الفاتحين في الإسلام، وسار سليمان في الناس سيرة حسنة
أيضًا، لم تجعل للناقمين من دولته سبيلاً إليها، وختم أعماله بأحسن عمل له وهو
عهده بالخلافة إلى عمر بن عبد العزيز، وكلكم يعرف من هو عمر بن عبد العزيز.
إلا أن سليمان غرس بيده غرس الدولة العباسية، وقد سبقني الأستاذ
الخضري، فذكر لكم في خطبته الماضية كيفية تسميم أبي هاشم عبد الله بن محمد
بن الحنفية الذي كان الشيعة يدعون إليه، وعهده بالأمر بعده إلى محمد بن علي بن
عبد الله بن عباس، فلا لزوم للإعادة هنا.
كان الأمويون شديدة الحذر من آل علي كما ذكرنا، وكان هؤلاء بعد نكبتهم
في خلافة يزيد قليلي الجرأة على الظهور؛ لشدة العمال عليهم، ومراقبتهم لحركاتهم
وسكناتهم، ولأن الخلفاء من بني أمية كانوا مع شدة حذرهم منهم يراعون مكانتهم،
ويحسنون إليهم، فلم ينزع أحد منهم إلى الخروج عليهم لضعفهم إلا زيد بن علي،
فقد خرج في خلافة هشام، فقتل في الكوفة وقتل ابنه يحيى في خراسان، أما تسميم
أبي هاشم فقد كان بأمر سليمان بن عبد الملك؛ لأنه خاف جانبه لما رأى فيه من
النجابة والذكاء.
وربما كان هناك سبب آخر لضعف آل علي من بني فاطمة؛ وهو أن الذين
بقوا منهم أحياء بعد نكبتهم في كربلاء أطفالاً، لا يصلحون لقيادة الناس، فالتف
الشيعة حول محمد بن علي المعروف بابن الحنفية من غير ولد فاطمة، وهكذا
ساقوا الإمامة في بنيه من بعده، كما ساقها غيرهم إلى بني فاطمة أيضًا، وانتقلت
من ثمَّ إلى أبي هاشم إلى بني العباس.
لا جرم أن سليمان بن عبد الملك جنى على دولته بقتل أبي هاشم؛ لأن آل
علي كانوا لشدة ما عانوا من المراقبة والاضطهاد شديدي الحذر، بطيئي الخُطى في
الوثوب على الخلافة الأموية، والظهور لمنازعة الأمويين عليها، فتلقى العهد بها
آل العباس وهم بعيدون عن سوء الظن والمراقبة، لم يعانوا مشاق الدعوة، ولم
يذوقوا طعم الاضطهاد فيخافوا الوقوع فيه. ولذا ما لبث أن عهد إلى محمد بن علي
بالأمر، حتى نهضوا بأعباء الدعوة بجرأة عظيمة، وكان لإبراهيم بعد موت أخيه
محمد ما كان مع أبي مسلم بتفويض أمر الزعامة إليه، وقيام هذا ببث الدعوة أحسن
قيام، حتى استفحل أمرها، وظهرت على خصومها.
أحس الأمويون بهذا الخطر السريع، فبادروا إبراهيم الإمام بالقتل، فنهض
أبو العباس السفاح بعد قتل أخيه إبراهيم، وعاجل الأمويين بالوثوب عليهم قبل أن
يدب الفشل في أهله وشيعته، منتهزًا فرصة وقوع الشقاق بين الإخوة وأبناء الأعمام
من آل مروان، وتلظي المملكة الأموية بنار الفتن، وظفر بما أراد وقضى على
دولة الأمويين في المشرق، فذهب كأن لم تكن بالأمس.
على أن ظفر العباسيين على هذا الوجه وبهذه السرعة، له بواعث وأسباب
أخرى؛ كاختلال نظام الدولة وغيره، أرى أن أُلمَّ بها على قدر ما يمكنني من
الاختصار.
تعلمون أن الدولة تموت برجل وتحيا بآخر، وأن الرجال في الدول قليل،
والدولة الأموية لما فقدت رجالها، فقدت جانبًا عظيمًا من قوتها، وأعني بأولئك
الرجال الرجال المخلصين الذين يخدمون الدولة بمنتهى الصداقة، بقطع النظر عما
ينسب إلى أفراد منهم من القسوة، فيتهمونهم من أجل ذلك بالظلم؛ إذ الرجال
يصطبغون بصبغة الدولة، ويتشكلون بشكلها، والدولة الأموية لما كانت دولة مطلقة،
لزم أن يسير عمالها على سننها.
من رجال الدولة الأموية المخلصين: موسى بن نصير والحجاج بن يوسف
وخالد بن عبد الله القسري ويزيد بن المهلب، وقتيبة بن مسلم وأضرابهم، ومن
خطأ الخلفاء الأمويين أنهم لم ينصفوا أمثال هؤلاء الرجال، فأحرجوا مَنْ أحرجوه
منهم، حتى أخرجوه فقتلوه؛ كخالد بن عبد الله، وقتيبة بن مسلم، ويزيد بن المهلب،
الذين ذهبوا ضحايا سوء الظن أو سوء التفاهم، وموسى بن نصير الذي زج به
في السجن في نظير فتحه الأندلس ومات أقبح ميتة، ففقدت الدولة بفقد هؤلاء
الرجال وأمثالهم جانبًا لا يقدر من قوتها، وأخذت تنحط من ثم هيبتها.
أما الحجاج فموته في الحقيقة مبدأ أفول نجم الدولة؛ لأنه كان يدها التي بها
تضرب، وعينها التي بها تبصر، فإنه بعد أن أخمد لهم فتنة ابن الزبير كان واليًا
على الكوفة وإليه ولاية خراسان، وكلا المكانين عش الفتنة، ومنبع الدعوة
الإمامية، ومع هذا فقد ضبط البلاد، وأرهب ببطشه المنازعين للدولة، والنازعين
إلى الشغب. وأحسن في انتقاء العمال والقواد، فامتد ملك الأمويين على عهده إلى
كابل من بلاد الأفغان شرقًا، والتركستان الصينية شمالاً، ولو وجد بعد من
يخلص من الولاة للدولة إخلاصه، ويكون في مثل حزمه وعزمه لطال عمر
الدولة الأموية بلا ريب.
ولعل نوابغ الرجال يكثرون في مبدأ نشوء الدولة، وإن كانت هذه النظرية
تحتاج إلى تمحيص.
ومما ساعد أيضًا على اختلال نظام الدولة الأموية تباعد أطراف المملكة، بما
صار إليهم من الفتح إلى عهد هشام بن عبد الملك، إذا اتسعت دائرة ملكهم إلى ما لم
تبلغه قبلهم غير دولة الرومان.
فما بين النهرين المعروف بالجزيرة وإيران، وقسم من الأفغان والتركستان
والتبت والقوقاس وأرمينيا وشبه جزيرة العرب وسورية ومصر، والمغرب
والأندلس، كل هذه الممالك دخلت في حوزتهم، وأصبحت خاضعة لسلطانهم.
وضبط مثل هذا الملك المترامي الأطراف مع صعوبة المسالك والمواصلات لذلك
العهد متعذر جدًّا، ولا سيما على أمة حديثة في عهد سياسة الأمم , ولذا فقد كانت
تكون الفتنة في طرف من أطراف المملكة بين الجنود والأمراء المتنازعين على
الولاية، وتنتهي بقتل وال وقيام غيره وربما انتهت بغلبة المشاغب أو النازع وضم
البلاد إلى حوزته، واستقلاله بالولاية عليها دونه، وفصلها عن جسم الدولة،
والخليفة لا يعلم ذلك، أو لا تصل قدرته إلى إخماد نار الفتنة في تلك البلاد النائية.
مثاله ما وقع في المغرب في خلافة الوليد بن يزيد سنة سبع وعشرين ومائة،
إذ تنازع عبد الرحمن بن حبيب من ولد عقبة بن نافع الفهري فاتح أفريقية مع
حنظلة بن صفوان والي أفريقية، فكانت الغلبة للأول، واستأثر بالسلطة على البلاد
وبقيت أفريقية مستقلة عن الخلافة الأموية حتى قيام الدولة العباسية.
ومثل هذا وقع في الأندلس، وفي بعض الأطراف السحيقة، ولا يخفى ما في
هذا من الوهن والخطر على المملكة.
ثم إن من الأمور الثابتة في الاجتماع أن الدول الحربية الفاتحة، لا تزال في
أفق مجدها مادامت على الخشونة، ومادام الراعي والرعية مترفعين عن الانغماس
في الترف والاستغراق في ملاذ الحضارة، قد عرفنا هذا في كثير من الدول البائدة
كدولة اليونان، وخلفاء دارا، والإسكندر (أي البطالسة) والرومان، حتى لقد قال
مونتسيكو في تاريخه أسباب صعود الرومان وهبوطهم: (إن دخول الرومانيين إلى
الشام كان مبدأ ضعفهم؛ بسبب ما كان متسلطًا على أهلها وملوكها من الرخاوة
والترف) .
والدولة الأموية إنما هلكت في نفس تلك البيئة التي هلك بها الرومان من قبل
وبعد أن حافظت على خشونتها الأولى إلى خلافة هشام، بدأت في خلافة الوليد بن
يزيد المعروف بالتهتك، تنحط عن خشونتها التي عرفت بها، وأخذ الخلفاء من ثم
يميلون إلى الترف والراحة والاستغراق في الملاذ تبعًا لأحوال البيئة التي نشأوا فيها،
وهذا بالضرورة كان من الأسباب التي عجلت على دولتهم يضاف إليه انقسام
العرب في خراسان التي هي منبع الدعوة العلوية والعباسية إلى مضرية ويمانية،
وتنازع رؤسائهم على الولاية في إبان استفحال الدعوة.
مثاله ما وقع بين الحارث بن سريج والكرماني، وبين هذا وقحطبة، وبينهما
وبين نصر بن سيار، حتى ملت نفوس العرب هذه الحال، وسئمت ممارسة
الحرب، ورأوا أنفسهم تباع ضحايا لقحطان وعدنان، وتزهق في سبيل المتنازعين
على الخلافة من قريش، حتى قال قائلهم:
تولت قريش لذة العيش واتقت ... بنا كل فج من خراسان أغبرا
فليت قريشًا أصبحوا ذات ليلة ... يعومون في لج من البحرأخضرا
لا جرم أن الذي بث روح الشقاق بين العرب في خراسان، إنما هم أهل
الدعوة الهاشمية من علويين وعباسيين، والذي أنجح قصد أبي مسلم في نشر الدعوة
العباسية وقلب الدعوة الأموية، تواطؤ سكان البلاد الأصليين على قهر الأمويين
وفل عصبيتهم العربية، وقد عرف إبراهيم الإمام منازع الفرس وعلم أن دولته تقوم
بغير العرب من الناقمين منهم، وأنَّ العرب شديدوالعصبة للأمويين؛ لاصطباغهم
بالصبغة العربية الخالصة، فكتب فيما كتب إلى أبي مسلم أن لا يبقى في خراسان
إن استطاع، فجعل رجال الدعوة يضربون العرب بعضهم ببعض؛ لأن قسمًا كبيرًا
منهم ممن نقم من الأمويين كما تقدم في صدر الكلام قبل الدعوة، وصار من
القائمين بها العاملين على تشييد دعائمها تعبدًا واعتقادًا.
هكذا أثمر الغرس الديني الذي غرسه قبل ذلك بقرن ابن سبأ وأضرابه من
الموالي الناقمين من الدولة السائدة، واستحال على العرب في المشرق استبقاء
السلطة خالصة لهم من دون الأمم الأخرى المحكومة منهم، وقد جرت سنة الوجود
هذا المجرى في كثير من الأمم من قبل.
قال مونتسكيو: اقتضت الحكمة الإلهية أن يكون للممالك حدود طبيعية،
تمسك بأعنة الملوك عن تجاوز هذه الحدود وتعدي بعضهم على بعض، ولما تجاوز
هذه الحدود الرومانيون، أهلكهم البرث؛ أي: قدماء الفرس، وبددوا شملهم
ولما تجاوزها البرث أنفسهم، اضطروا لأول أمرهم للرجوع إلى أراضيهم.
وأقول: إن العرب أصيبوا بما أصيب به الرومان والبرث، وطبائع الاجتماع
تعذر أولئك الأقوام على ما فعلوه مع العرب، وحسب العرب أن نشروا بينهم دين
الإسلام، فلا مؤاخذة ولا ملام، ولا سيما أن الإسلام يرمي بطبيعته إلى محو الحدود
والسياسة الجنسية بين الشعوب، كما ترمي إلى مثل هذا مبادي جماعات
السوسيالست أو الاشتراكيين أو الاجتماعيين لهذا العهد.
ورب قائل يقول: إن هذا الانقلاب؛ أي: انقلاب الدولة الأموية إلى عباسية،
لم تكن نتيجته كلها كما يريد أولئك الأقوام المغلوبون للعرب؛ إذ دولة الأمويين
عربية قرشية ودولة العباسيين كذلك.
الجواب عن هذا يأتي من وجهين: الوجه الأول أن أمم المشرق لذلك العهد
قلما كانت تقدر قيمة الحرية الكاملة، لفنائها في وجود زعماء الاجتماع الشرقي، أو
كما قال مونتسكيو: إن أمم آسيا لم يكن ميلهم إلى الحرية كميل أمم أوربا إليها
اليوم؛ أي: لعهده - ليحملهم على الخروج من الأسر والاستعباد، وإنما كان ميلهم
إلى تغيير الملك، ولا صبر لهم على بقائه طويلاً) .
وسواء صحت هذه النظرية أو لم تصح، فإنه يجوز لنا تطبيقها على الأمم
التي دخلت تحت حكم العرب لذلك العهد، باعتبار أن الإسلام جمع بينهم جميعًا،
فلا فرق عند الفرس وغيرهم أن يكون الخليفة أو الملك عربيًّا أو غير عربي، مادام
الملك آثلًا إلى غير الدولة التي نقموا منها، ومادام مصير أكثر السلطة إليهم، بعد
فل حد العصبية العربية التي كانت قائمة في دولة الأمويين، متسلطة بقوتها على
كل شيء.
وقد كان ما أرادوه بقيام الدولة العباسية التي لم يكن لها من العربية إلا الاسم،
وهي مصطبغة بالصبغة الأعجمية، مشتبكة مع العناصر الأخرى بالنسب والصهر،
مشاركة لهم بمصالح الدولة كما تعلمون.
هذا الوجه الأول، أما الوجه الثاني: فانتظار النتيجة الطبيعية لمثل هذا
الانقلاب، ولو في المستقبل البعيد، وتلك النتيجة هي أن اصطباغ الدولة أو الأمة
السائدة بصبغة أهل البلاد، يحيلها مع الزمن إلى عنصر هذه الصبغة، والعكس
بالعكس، إذ من الشعوب من اصطبغوا بصبغة العرب بعد الفتح، فاندمجوا فيهم،
ومن الشعوب من اصطبغ العرب بصبغتهم، فاندمج هؤلاء فيهم، وهذا ما وقع
لسكان آسيا الوسطى بعد قيام الدولة العباسية ثم سقوطها، وقيام غيرها من
الحكومات الوطنية على أنقاضها، وهكذا رأينا دولة الفرس وغيرها من الدول
الإسلامية دينًا المختلفة جنسًا قد عادت إلى أصلها، وهي قائمة إلى الآن، وستبقى
قائمة عزيزة الجانب، منيعة الجناب إلى الأبد، إن شاء الله.
وهكذا نرى الخلافة الإسلامية التي سالت من أجلها أو باسمها تلك الدماء
الغزيرة، صارت إلى غير العرب اليوم، وفي دولة هي أعز دول الإسلام مكانًا،
وأجدرها بحفظ بيضة الخلافة، ولم يمنع الدين أن تكون إليها الخلافة، كما لم يمنع
أن تكون فيمن يقع عليه اختيار الأمة ورضاها في عهد الصحابة الكرام، ولو من
غير بني هاشم، والتاريخ يعيد نفسه.
هذا ما أمكنني إيراده من أسباب انحطاط الدولة الأموية ثم انقراضها، تلوته
عليكم أيها السادة بوجه الاختصار؛ لأن الاستقصاء والتتبع وبسط كل الأسباب
والنتائج، لا تقوم به خطبة؛ لأنه تاريخ دولة بأكملها.
أما ما يقوله بعض المؤرخين: من ظلم الدولة الأموية، ويعزي إليه دمارها
فمبالغ فيه، وما كان منه صحيحًا فهو في نظري ثانوي، بالنسبة للأسباب التي
ذكرتها وتكاد تكون نتائجها طبيعية، وليس من دولة في الأرض قائمة بالعدل
المحض، حتى الدول المقيدة ناهيك بالمطلقة.
ومن قال: إن دولة الأمويين كانت ظالمةً، وإن ظلمها هو الذي جر عليها
الدمار، فجاهل بأحوال الاجتماع أو متعصب لدولة أخرى، ولو طولب بالدليل على
أن الدول التي قامت دولة الأمويين على أنقاضها كالفرس والروم والغوط وغيرهم،
كانت أعدل منها لما استطاع إليه سبيلاً.
والحقيقة أن الخلفاء الأمويين كانوا أشداء على خصومهم دون سائر الناس،
وكانوا في منزلة من العناية بالرعية، والاهتمام بالعدل بين الناس فوق منزلة كثير
من الحكومات المطلقة، وحسبك أن أشدهم قسوة وهو عبد الملك بن مروان استهل
وصيته لابنه الوليد حين الاحتضار بقوله: يا وليد اتق الله فيمن أخلفك فيهم،
والشواهد على مثل هذا كثيرة لا يسعها المقام، وحسب تلك الدولة فضلاً فتوحها
العظيمة، التي سودت دين العرب ولسانهم على أحسن أجزاء المعمور إلى اليوم،
وتلك الأيام نداولها بين الناس.
وبعد، فإني لست في مقام الجرح أو التعديل، وإنما أنا باحث في التاريخ،
أقول ما تبادر إلى فهمي وما بلغ إليه علمي من غير أن أقصد التحيز إلى فئة دون
أخرى، أو شخص دون آخر، وكل ما بسطته لديكم لم أرد به غير الوجهة
التاريخية. فأرجوكم الصفح عما إذا كان زل لساني بخطأ سمعتموه؛ إذ الإنسان محل
الخطأ والنسيان، والسلام عليكم.