للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: محمد رشيد رضا


التقريظ
(أحسن الكلام فيما يتعلق بالسنة والبدعة من الأحكام)
سمعنا بأن أحد أعضاء المحكمة الشرعية العليا بمصر ألف كتابًا أو رسالة،
وأنها توزع في جميع المحاكم الشرعية، وعلى جميع مأذوني الشرع بالثمن،
فتشوَّفت نفوسنا للاطلاع عليها ظانين أنها في إصلاح هذه المحاكم التي يشكو الناس
من سوء سيرها، وقد استحضرنا نسخة منها، وهي كراسة للسيد محمد بخيت
المشهور في مسائل اختلف الناس فيها هل هي بدعة ينبغي تركها أم لا؟ وقد مهد
المؤلف لها بكلام في السُنة والبدعة، أما المسائل المقصودة بها فهي الترقية التي
اعتادها المسلمون في المساجد يوم الجمعة، وكذلك قراءة سورة الكهف في المسجد
الجامع عند اجتماع الناس لصلاة الجمعة والاجتماع لقراءة قصة المعراج والمولد،
وفضائل ليلة النصف من شعبان، ورفع أصوات المشيعين للجنازة بنحو ذكر وغير
ذلك، وقد كان شيخ الجامع الأزهر السابق الشيخ سليم البشري سئل عن الترقية وما
في معناها فأفتى بأنها بدعة تجتنب، ولكن ديوان الأوقاف صاحب السلطة على
المساجد لم يعمل بهذه الفتوى؛ لأن السلطة الإدارية لا تنفذ كل ما يُفتي به رجال
الدين، وإن كانت رياستهم الرسمية من قبل رئيسها، وفي الكراسة على صغرها
فوائد كثيرة منها ما يُسلَّم، ومنها ما هو منتقد، ولما كان المؤلف من كبار علماء
الأزهر الذي يُعتنى بكلامهم وجب علينا الاعتناء بكلامه والبحث فيه فنقول: ذكر
المصنف بعد سرد الأسئلة التي كتب رسالته جوابًا عنها أن الأصل في الأحكام
الشرعية الكتاب والسُّنة والإجماع والقياس الصحيح وأن كل ما استند إلى أصل من
هذه الأصول فهو حكم الله وشرعه، وأن كل ما لم يكن مأخوذًا من واحد منها فهو
بدعة وضلالة وإحداث ما ليس من الدين فيه، قال: وليس كل ما يفعل في عهده
صلى الله عليه وسلم بدعة شرعية مذمومة، بل إذا حدث فعله بعد زمنه عليه
الصلاة والسلام كان بدعة لغوية وحينئذ تعتريها الأحكام الخمسة.
ونقول: إن ما ذكره هو المعروف عن العلماء وذكره ابن حجر في فتاواه
الحديثية، وسبقه الحافظ في الفتح، وفيه إجمال يحتاج إلى بيان، وهو أن ما حدث
بعد زمن التشريع إن كان داخلاً فيما لا قياس ولا اجتهاد فيه كالأمور الاعتقادية
والتعبدية فهو بدعة وضلالة قطعًا لا سميا إذا اتخذ شعارًا دينيًا، وإلا لجاز لنا أن
نزيد في الدين عبادات وشعائر كثيرة يُعْرف بها المسلمون وهي مما لم يعرف عن
الله ورسوله، وإنما نخترع لها أقيسة نسميها بها بدعًا مستحسنة، فيلحفظ القارئ
هذا.
وكما انتقدنا الإجمال في هذا الموضع ننتقد فيه التمثيل فقد مثل للبدعة
الشرعية المخالفة للأدلة القطعية بالقول بفرضية المَسْح على الرِّجْلين دون غسلهما
وعلله بالمخالفة (لنص الكتاب) ، وما جاء في الكتاب ليس نصًا فيما قال لا يحتمل
سواه، بل إن قوله تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الكَعْبَيْنِ} (المائدة: ٦) على قراءة الجر (وهي قراءة ابن كثير وحمزة وأبي عمرو
وعاصم أي: أكثر السبعة) ، ظاهر في وجوب المسح، ولذلك أوله العلماء القائلون
بعدم الاكتفاء بالمسح بأن الجر في الرِّجْلين للمجاورة، وقد ردَّه القائلون بالمسح بأنه
قد عُدّ لحنًا؛ لأنه لم يرد إلا شاذًّا في الشعر الذي يغتفر فيه ما لا يغتفر في غيره
لمكان الوزن وبأنه على شذوذه لم يرد بالعطف كما في الآية وبأنه يشترط فيه الأمن
من الالتباس ولا أمن هنا. وكلام الله المعجز ببلاغته ينزه عن الشذوذ والالتباس.
وتأويل قراءة النصب بالعطف على المحل أقرب من هذا التأويل، نعم: إن الغسل
مسح وزيادة وإنه ثبت في السنة الصحيحة وعليه الجماهير إلا الشيعة وإنه أحوط،
ولكن هذا كله لا يصحح تعليل المؤلف، بأن القول بفرضية المسح بدعة لمخالفة
نص الكتاب.
ثم ذكر البدعة المكروهة وعدَّ منها زخرفة المساجد بغير الذهب والفضة،
وقال كما قال ابن حجر (وإلا كانت من القسم الأول) أي المحرم، ثم ذكر البدعة
الواجبة فقال: (وتارة يكون بدعة واجبة كنصب الأدلة للرّد على أهل الفِرق
الضالة وتعليم العلوم التي يتوقف عليه فَهْم الكتاب والسنة) ولا أدري كيف ساغ لهم
عدّ نصب الأدلة للرد على الفرق الضالة من البدع والقرآن الكريم طافح بهذه الأدلة،
نعم، إن المتكلمين سلكوا فيها غير مسلك القرآن بعنايتهم في الأدلة النظرية
المحضة وأكثر أدلة القرآن مستندة إلى المحسوسات ولكن الإتيان بأدلة جديدة لا
يقتضي أن يكون أصل نصب الأدلة بدعة، فإن البدعة في اللغة ما كان على غير
مثال سبق.
ثم طفق يستدل على أن البدعة تنقسم إلى الأقسام المذكورة فذكر أمورًا منتقدة
أولها إخراج الصحابة اليهود والنصارى من جزيرة العرب، وثانيها قتالهم غير
العرب من الكفار، والثاني منصوص في الكتاب والأول جاءت به السنة أخرج
أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم من حديث عمر
(إن عشت لأُخرجَنَّ اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أترك فيها إلا
مسلمًا) وأخرج الترمذي والحاكم من حديثه أيضًا (لئن عشت، إن شاء الله
لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب) وأخرج أحمد وأبو يعلى في مسنده
والحاكم في الكنى وغيرهم عن أبي عبيدة قال: آخر ما تكلم به رسول الله صلى الله
عليه وسلم قال (أخرجوا يهود الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب، واعلموا
أن شر الناس الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) ، وأخرج أحمد من حديث عائشة
(لا يبقى في جزيرة العرب دينان) وبقيت أحاديث بمعنى ما ذكر.
وقد أحسن المؤلف في قوله: (نَعَمْ ما تركه النبي صلى الله عليه وسلم مع
وجود مقتضٍ لفعله كان تركه سُنّة وفعله بدعة مذمومة، ولذلك كره أصحابه عليه
الصلاة والسلام استلام الركنين الشاميين، والصلاة عقب السعي بين الصفا والمروة
إرضاء للنبي صلى الله عليه وسلم لذلك مع أنه كان يعلِّم المناسك للناس) نقول:
وكذلك يقال في جميع العبادات والشعائر الدينية؛ لأنها مبنية على الاتباع المحض
ولا مجال لاجتهاد الناس فيه؛ لأنها ليست مما يختلف باختلاف الزمان والمكان، وتقدم
إيضاح هذه المسألة في غير هذا الجزء من المنار هذا ما نقوله في تمهيد هذه
الرسالة، ولنا قول آخر في المسائل المقصودة منها بالذات نرجئه للجزء الآتي.
***
(الإسلام في عصر العلم)
صدر الجزء الثاني من هذا الكتاب، وهو مؤلَّف من أربع كراسات [كل
كراسة ١٦ صفحة صغيرة] الأولى في الفصل الأول من الباب الأول من مبحث
الإنسان، وهو في معرفة الإنسان نفسه، والثانية في تمهيد للبحث في حياة النبي
صلى الله عليه وسلم، والثالثة في البحث عما وراء المادة وعظيم شأنه عند علماء
أوربا المشتغلين بمسألة استحضار الأرواح، والرابعة في ملحق الكتاب الموضوع
للبحث في داء الأمة ودوائها، وقد اختار المؤلف أن يصدر في كل جزء كراسة من
كل باب من أبواب الكتاب لئلا يطول على القراء الكلام في المقدمات فيملُّوا.
وهاهنا نذكر رأيًا رآه غير واحد، وهو أن المؤلف الذي عُني أشد العناية
بتتبع أقوال الباحثين في استحضار الأرواح ويرى أنها الذريعة الوحيدة لإثبات الدين
ينبغي له أن لا يكتفي بالاطلاع على أقوال المثبتين لهذه المسألة وتعريبها، بل الذي
ينبغي له هو أن يشتغل بالمسألة عملاً ويثبتها بالتجربة والاختبار طريق العلم في هذا
العصر، وعسى أن تنهض به الهمة إلى السفر إلى أوربا والاجتهاد بتحقيق هذه
الأمنية، وههنا نعيد الترغيب في الإقبال على كتابه مساعدة له على هذه الخدمة.
***
(مذهب تولستوي)
كتاب باللغة الروسية عرَّبه سليم أفندي قبعين وهو (يحتوي على مختصر
ترجمة الفيلسوف تولستوي وآدابه وفلسفته وآرائه الدينية، وحرم المجمع المقدس
له واعتراضه واحتجاج زوجته على مضمون الحرم، ثم ردود رجال الدين الروسي
على آرائه الدينية (مزيّنا برسمه) وقد طبع الكتاب على نفقة إبراهيم أفندي فارس
صاحب المكتبة الشرقية بمصر وأهدانا نسخة منه، ولما نتمكن من مطالعته، ويعلم
القراء أن للفيلسوف تولستوي يدًا في الحركة العلمية في بلاد روسيا، ولذلك كان
هذا الكتاب جديرًا بأن يُقرأ، وهو يطلب من المكتبة الشرقية.
((يتبع بمقال تالٍ))