للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: محمد رشيد رضا


تحسين الأغاني والأناشيد العربية
لترقية الشعور القومي والخلقي

دعت جمعية الشبان المسلمين من اختارت من (الشعراء والمطربين
والملحنين) في مصر، وطائفة أخرى من أهل العلم والأدب إلى حفلة شاي نصبت
موائدها لهم في مساء الجمعة ١٢ صفر (٢٥ مايو) فلبى أكثرهم الدعوة، وبعد
شرب الشاي، وتناول ما يتصل فيه من الحلوى والفاكهة وقف صاحب السعادة
عثمان باشا مرتضى فرحب بالحاضرين، وشرح لهم ما تقترحه عليهم الجمعية من
تعاون الشعراء والمطربين (المغنين) والملحنين على خدمة الوطن المصري
والأدب العربي بما سمته (تحسين الأغاني والأناشيد) ... إلخ (ووضع الخطة
العملية لتنفيذ هذه الفكرة في أقرب وقت) كما رأوا في رقاع الدعوة، فشكروا
للجمعية هذا المشروع، وتلقوه بالقبول، وتبارى خطباؤهم في بيان فوائده في ترقي
الأقوام، وضربوا لذلك الأمثال، فذكروا الإفرنج والعرب في جاهليتها وإسلامها
وحضارتها الزاهرة، وخطتها في هذه القرون الأخيرة التي هبطت فيها الآداب
والأخلاق إلى الدرك الأسفل، وانحصرت فيها الأغاني القومية المصرية في
الخلاعة والمجون، ولا سيما أغاني النساء فكانت من مفسدات الأخلاق والآداب.
وأبى أحد الخطباء إلا أن يعرض في شواهده لكتاب الله تعالى وسنة رسوله
صلى الله عليه وسلم، فذكر في فضل الأناشيد وشرعيتها احتفال الأنصار بقدوم
النبي صلى الله عليه وسلم عليهم يوم الهجرة بقولهم:
طلع البدر علينا ... من ثنيات الوداع ... إلخ
وقوله صلى الله عليه وسلم وهو الذي حماه الله من الشعر حين جرحت إصبعه
أو دميت من حجر في إحدى الغزوات:
هل أنت إلا إصبع دميت ... وفي سبيل الله ما لقيت
فهذا البيت من الرجز أبلغ ما يقال في موضوعه وأعمقه تأثيرًا، وهو يصلح
أن يبنى عليه نشيد في التحريض على الجهاد، واستصغار الآلام في سبيل عظائم
الأعمال.
قال كلامًا في هذا المعني، ثم صعد مرتقيًا إلى ما هو فوق هذا، فذكر أن
القرآن نظم ذو فواصل كقوافي الشعر، قابل للتلحين والتغني لم يكن له ذلك التأثير
العظيم في قلوب العرب والانقلاب العظيم فيهم إلا بتلاوته بالتلحين الخاص به.
نقلت هذا الكلام بفحواه لا بلفظه، فأما البيت فقد نقل ابن هشام أنه للوليد بن
المغيرة، وصحح الحافظ ابن الجوزي أنه لعبد الله بن رواحة، وقد تمثل به صلى
الله عليه وسلم قولاً لا إنشادًا فسكن تاء قافيته، وأما القرآن فقد كان كلام الخطيب
أدنى إلى تشبيهه بالشعر مما صورته به آنفًا، والواجب في التفرقة بينهما أن يكون
أبعد شأوًا، وأسمى مرتقى مما قلت، وقد بينت معنى قابلية القرآن للترتيل الغنائي
في كتاب الوحي المحمدي بما لو رآه الخطيب الأديب لبين هذا المعنى مُنَزِّهًا للقرآن،
بما هو أدق مما نقلته عنه هنا، وكان خطر في بالي في الجلسة أن أتعقبه فأمسكت
لئلا أنطلق في الكلام بما يفسره هو بلازمه غير البيِّن، فيظن أنني أريد لمزه،
والنيل منه.
هذا وإنني أسررت إلى الأستاذ يحيى الدرديري أن يقترح على الشعراء أن
يبدؤوا بوضع أغاني وأناشيد لحفلات الأعراس وغيرها يضمنونها تعظيم أمر العفة،
وعزة النفس، والشرف، وكرامة الأمة، ويلقونها إلى الملحنين فيلقنونها إلى
المغنين، فينسخون بها تلك الأغاني (والطقاطيق) المجونية، فقال: الأولى أن
تقترح أنت هذا. فاعتذرت، فألقاها إلى رئيس الجلسة وانصرفت، وقد سبق لي مثل
هذا الاقتراح على عبده أفندي الحمولي أشهر مطربي عصره في مصر منذ ٣٥ سنة.