للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: عبد العزيز محمد


أميل القرن التاسع عشر

الباب الثاني (الولد) من كتاب
(١٥) من هيلانة إلى أراسم في ١٠ نوفمبر سنة - ١٨٥
لست أدري أيها العزيز أراسم متى يتيسر لي إيصال بقايا هذا المكتوب إليك
فقد توالت عليَّ الأيام وتعاقبت الشهور في ارتقاب فرصة تمكنني من ذلك ولا ريب
في أن ما أكتبه إليك خلو من كل ما من شأنه أن ينفر الحكومة ويزعجها فإن أخص
موضوع أحب مكاتبتك فيه هو الحديث عن (أميل) وشئونه وأنت تعلم أن (أميل)
ليس من المؤتمرين بالحكومة المغرين بالخروج عليها على أنه لا شيء في
عواطفنا وآمالنا يدعو إلى ملاحظة أو يستوجب مؤاخذة وإني أراعي في مكاتيبي
الحياء والاحتشام حتى إني لأفضل إحراقها على اطلاع غيرك عليها.
هاج غضب (أميل) صباح اليوم هياجًا شديدًا بلا سبب معروف , ولا بدع
في ذلك فإننا مع تبجحنا بالعقل والرزانة لا نعرف على الدوام علة جزعنا وغضبنا
فقد يكفي في إساءة خلقنا أن نرى في السماء غيمًا كريه المنظر , أو في ملبسنا
انثناءً مضايقًا , أو نسمع ذبابة تَطِنّ في أذننا وأيًّا ما كانت علة غضب (أميل) فإن
جورجيا لما رأته في هذا الهياج قدمت له مرآة جعلتها نصب عينيه فأثر ذلك فيه
تأثير السحر بإسكان غضبه كأنه خجل من نفسه أو خاف من صورته.
أنا منجزة ما وعدتك به فتجدني الآن أطالع وأبحث وأعمل لأتمكن يومًا ما من
تعليم (أميل) وإنك لو رأيتني في هذه الحالة لنكرتني لما صرت إليه من الوقار
والرزانة.
أنت تعلم أني ما برحت أميل إلى علم النبات فتراني الآن من بضع شهور
مشتغلة بدرس أزهار الكثبان لأني وجدت من ظروف الأحوال ما ساعدني على ذلك
فإن النباتات الطالعة هنا على رمال الساحل في غاية الكثرة والتنوع على أن لها
بالبحر ارتباطًا كثيرًا ويوجد أيضًا على مقربة من قرية للصيادين مغارة اسمها
نيولين شهيرة بدقة السرخس النابت على جدرانها وجماله , فإن الظل والرطوبة
اللذين فيها يشكلانه بأشكال متشعبة مشوشة تدعو إلى إعجاب المخبرين بأحوال
النباتات ولكن لسان حاله ينطق بتألمه ومرضه فهل من الآلام والأمراض ما يكسو
الصور رونقًا وبهاءً.
بينما كنت راجعةً هذا المساء من نزهة قضيتها ارتيادًا للنباتين المعروف
أحدهما عند النباتيين بالقوريجيول الشاطئي , والثاني بالأرنجيون البحري أو لحية
التيس [١] , بصرت ببنت صياد ملتصقة بإحدى نوافذ بيتها تنفخ في زجاج هذه
النافذة ثم تكتب بظفر أنملتها الصغيرة اسم معشوقها على ما يظهر في صفحة الزجاج
من الكلف فاستمالني ذلك إليها وخاطبتها فعلمت منها أن لها خاطبًا في إستراليا وأنها
تترقب مجيئه ولا تعلم متى يجيء لتحظى بلقائه فعسى أن يكون ذلك قريبًا لأني
أعلم ما يقاسيه الإنسان من مضض الفراق. اهـ.
(١٦) من هيلانة إلى أراسم في ٢٥ نوفمبر سنة ١٨٥
بعد هذا الانتظار كله قد تكلف أحد من تعرفهم فتكفل بإيصال مكتوبي هذا إليك
فأسلمته إليه واستودعته الرياح العاصفة والبحر المضطرب، وحوادث الأيام
الكثيرة؛ لأنه لا محيص من ذلك , ولكني لن أستودعها أبدًا حبك فإنه في حيازة ما
لا يعتريه التحول ولا التقلب اهـ.
بشرى فقد نبت (لأميل) سنَّان اهـ.
((يتبع بمقال تالٍ))