للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فَكَانَ لَهُ الرُّجُوعُ بِأَرْشِهِ، كَمَا لَوْ أَعْتَقَهُ قَبْلَ عِلْمِهِ بِعَيْبِهِ. وَلِأَنَّ الْأَرْشَ عِوَضُ الْجُزْءِ الْفَائِتِ بِالْعَيْبِ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِتَصَرُّفِهِ فِيمَا سِوَاهُ؛ كَمَا لَوْ بَاعَهُ عَشَرَةَ أَقْفِزَةٍ، فَأَقْبَضَهُ تِسْعَةً، فَتَصَرَّفَ فِيهَا.

[فَصْلٌ تَصْرِف فِي الْمَبِيع تَصْرِفَا دَالًا عَلَى الرِّضَا بِهِ قَبْلَ عِلْمه بِالْعَيْبِ]

(٣٠٢٥) فَصْلٌ: فَإِنْ اسْتَغَلَّ الْمَبِيعَ، أَوْ عَرَضَهُ عَلَى الْبَيْعِ، أَوْ تَصَرَّفَ فِيهِ تَصَرُّفًا دَالًّا عَلَى الرِّضَا بِهِ، قَبْلَ عِلْمِهِ بِالْعَيْبِ، لَمْ يَسْقُطْ خِيَارُهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا بِهِ مَعِيبًا. وَإِنْ فَعَلَهُ بَعْدَ عِلْمِهِ بِعَيْبِهِ، بَطَلَ خِيَارُهُ فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَكَانَ الْحَسَنُ، وَشُرَيْحٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْي، يَقُولُونَ: إذَا اشْتَرَى سِلْعَةً، فَعَرَضَهَا عَلَى الْبَيْعِ، لَزِمَتْهُ. وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، فَأَمَّا الْأَرْشُ، فَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: لَا يَسْتَحِقُّهُ أَيْضًا.

وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ قِيَاسَ الْمَذْهَبِ اسْتِحْقَاقُ الْأَرْشِ. قَالَ أَحْمَدُ: أَنَا أَقُولُ: إذَا اسْتَخْدَمَ الْعَبْدَ، وَأَرَادَ نُقْصَانَ الْعَيْبِ، فَلَهُ ذَلِكَ، فَأَمَّا إنْ احْتَلَبَ اللَّبَنَ الْحَادِثَ بَعْدَ الْعَقْدِ، لَمْ يَسْقُطْ رَدُّهُ؛ لِأَنَّ اللَّبَنَ لَهُ، فَمَلَكَ اسْتِيفَاءَهُ مِنْ الْمَبِيعِ الَّذِي يُرِيدُ رَدَّهُ. وَكَذَلِكَ إنْ رَكِبَ الدَّابَّةَ لِيَنْظُرَ سَيْرَهَا، أَوْ لِيَسْقِيَهَا، أَوْ لِيَرُدَّهَا عَلَى بَائِعِهَا. وَإِنْ اسْتَخْدَمَ الْأَمَةَ لِيَخْتَبِرَهَا، أَوْ لَبِسَ الْقَمِيصَ لِيَعْرِفَ قَدْرَهُ، لَمْ يَسْقُطْ خِيَارُهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِرِضًا بِالْمَبِيعِ، وَلِهَذَا لَا يَسْقُطُ بِهِ خِيَارُ الشَّرْطِ.

وَإِنْ اسْتَخْدَمَهَا لِغَيْرِ ذَلِكَ اسْتِخْدَامًا كَثِيرًا، بَطَلَ رَدُّهُ، فَإِنْ كَانَتْ يَسِيرَةً لَا تَخْتَصُّ الْمِلْكَ، لَمْ يَبْطُلْ الْخِيَارُ. قِيلَ لِأَحْمَدَ: إنَّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: إذَا اشْتَرَى عَبْدًا، فَوَجَدَهُ مَعِيبًا فَاسْتَخْدَمَهُ بِأَنْ يَقُولَ: نَاوِلْنِي هَذَا الثَّوْبَ. يَعْنِي بَطَلَ خِيَارُهُ. فَأَنْكَرَ ذَلِكَ، وَقَالَ: مَنْ قَالَ هَذَا؟ أَوْ مِنْ أَيْنَ أَخَذُوا هَذَا؟ لَيْسَ هَذَا بِرِضًى حَتَّى يَكُونَ شَيْءٌ يَبِينُ. وَقَدْ نُقِلَ عَنْهُ فِي بُطْلَانِ الْخِيَارِ بِالِاسْتِخْدَامِ رِوَايَتَانِ. وَكَذَلِكَ يُخَرَّجُ هَاهُنَا.

[فَصْلٌ أَبَقَ الْعَبْدُ ثُمَّ عَلِمَ عَيْبَهُ]

(٣٠٢٦) فَصْلٌ: وَإِنْ أَبَقَ الْعَبْدُ، ثُمَّ عَلِمَ عَيْبَهُ، فَلَهُ أَخْذُ أَرْشِهِ. فَإِنْ أَخَذَهُ ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الْعَبْدِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفَ الْإِبَاقِ قَبْلَ الْبَيْعِ، فَقَدْ تَعَيَّبَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي، فَهَلْ يَمْلِكُ رَدَّهُ وَرَدَّ أَرْشِ الْعَيْبِ الْحَادِثِ عِنْدَهُ وَالْأَرْشُ الَّذِي أَخَذَهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. وَإِنْ كَانَ آبِقًا، فَلَهُ رَدُّهُ وَرَدُّ مَا أَخَذَهُ مِنْ الْأَرْشِ وَأَخْذُ ثَمَنِهِ.

وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ: لَيْسَ لِلْمُشْتَرِي أَخْذُ أَرْشِهِ، سَوَاءٌ قَدَرَ عَلَى رَدِّهِ أَوْ عَجَزَ عَنْهُ، إلَّا أَنْ يَهْلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَيْأَسْ مِنْ رَدِّهِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ بَاعَهُ. وَلَنَا، أَنَّهُ مَعِيبٌ لَمْ يَرْضَ بِهِ، وَلَمْ يَسْتَدْرِكْ ظَلَامَتَهُ فِيهِ، فَكَانَ لَهُ أَرْشُهُ، كَمَا لَوْ أَعْتَقَهُ، وَفِي الْبَيْعِ اسْتَدْرَكَ ظَلَامَتِهِ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا.

[فَصْلٌ اشْتَرَى عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ ثُمَّ عَلِمَ بِهِ عَيْبًا فَأَخَذَ أَرْشَهُ]

(٣٠٢٧) فَصْلٌ: وَإِذَا اشْتَرَى عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ، ثُمَّ عَلِمَ بِهِ عَيْبًا فَأَخَذَ أَرْشَهُ، فَهُوَ لَهُ. وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّهُ يَجْعَلُهُ فِي الرِّقَابِ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الرَّقَبَةِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ، فَلَا يَرْجِعُ إلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ بَدَلِهَا.

<<  <  ج: ص:  >  >>