للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الذَّبْحُ بِالسِّكِّينِ وَإِنْ كَانَتْ مُدْيَةً لَهُمْ، وَلِأَنَّ الْعِظَامَ يَتَنَاوَلُهَا سَائِرُ الْأَحَادِيثِ الْعَامَّةِ، وَيَحْصُلُ بِهَا الْمَقْصُودُ، فَأَشْبَهَتْ سَائِرَ الْآلَاتِ. وَأَمَّا الْمَحِلُّ فَالْحَلْقُ وَاللَّبَّةُ وَهِيَ الْوَهْدَةُ الَّتِي بَيْنَ أَصْلِ الْعُنُقِ وَالصَّدْرِ. وَلَا يَجُوزُ الذَّبْحُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَحِلِّ بِالْإِجْمَاعِ، وَقَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثٍ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «الذَّكَاةُ فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ» .

قَالَ أَحْمَدُ: الذَّكَاةُ فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ. وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ عُمَرَ، وَهُوَ مَا رَوَى سَعِيدٌ، وَالْأَثْرَمُ، بِإِسْنَادِهِمَا عَنْ الْفُرَافِصَةِ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عُمَرَ، فَنَادَى أَنَّ النَّحْرَ فِي اللَّبَّةِ وَالْحَلْقِ لِمَنْ قَدَرَ. وَإِنَّمَا نَرَى أَنَّ الذَّكَاةَ اخْتَصَّتْ بِهَذَا الْمَحِلِّ؛ لِأَنَّهُ مَجْمَعُ الْعُرُوقِ، فَتَنْفَسِخُ بِالذَّبْحِ فِيهِ الدِّمَاءُ السَّيَّالَةُ، وَيُسْرِعُ زُهُوقَ النَّفْسِ، فَيَكُونُ أَطْيَبَ لِلَّحْمِ، وَأَخَفَّ عَلَى الْحَيَوَانِ.

قَالَ أَحْمَدُ: لَوْ كَانَ حَدِيثُ أَبِي الْعُشَرَاءِ حَدِيثًا. يَعْنِي مَا رَوَى أَبُو الْعُشَرَاءِ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أَنَّهُ سُئِلَ: أَمَّا تَكُونُ الذَّكَاةُ إلَّا فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَوْ طَعَنْت فِي فَخِذِهَا، لَأَجْزَأَ عَنْك» . قَالَ أَحْمَدُ: أَبُو الْعُشَرَاءِ هَذَا لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ. وَأَمَّا الذِّكْرُ فَالتَّسْمِيَةُ، وَقَدْ مَرَّ ذِكْرُهَا. وَأَمَّا الْفِعْلُ فَيُعْتَبَرُ قَطْعُ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَعَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّهُ يُعْتَبَرُ مَعَ هَذَا قَطْعُ الْوَدَجَيْنِ.

وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو يُوسُفَ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ شَرِيطَةِ الشَّيْطَانِ» . وَهِيَ الَّتِي تُذْبَحُ فَتَقْطَعُ الْجِلْدَ وَلَا تَفْرِي الْأَوْدَاجَ، ثُمَّ تُتْرَكُ حَتَّى تَمُوتَ. رَوَاهُ. أَبُو دَاوُد. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُعْتَبَرُ قَطْعُ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ وَأَحَدِ الْوَدَجَيْنِ. وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْأَكْمَلَ قَطْعُ الْأَرْبَعَةِ؛ الْحُلْقُومِ، وَالْمَرِيءِ وَالْوَدَجَيْنِ، فَالْحُلْقُومُ مَجْرَى النَّفَسِ، وَالْمَرِيءُ وَهُوَ مَجْرَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَالْوَدَجَانِ، وَهُمَا عِرْقَانِ مُحِيطَانِ بِالْحُلْقُومِ؛ لِأَنَّهُ أَسْرَعُ لِخُرُوجِ رُوحِ الْحَيَوَانِ، فَيَخِفُّ عَلَيْهِ، وَيَخْرُجُ مِنْ الْخِلَافِ، فَيَكُونُ أَوْلَى.

وَالْأَوَّلُ يُجْزِئُ؛ لِأَنَّهُ قَطَعَ فِي مَحِلِّ الذَّبْحِ مَا لَا تَبْقَى الْحَيَاةُ مَعَ قَطْعِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَطَعَ الْأَرْبَعَةَ.

[مَسْأَلَةٌ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَنْحَر الْبَعِير وَيُذْبَحَ مَا سِوَاهُ]

(٧٧٦٠) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُنْحَرَ، الْبَعِيرُ، وَيُذْبَحَ مَا سِوَاهُ) لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، فِي أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ نَحْرُ الْإِبِلِ، وَذَبْحُ مَا سِوَاهَا. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر: ٢] . وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} [البقرة: ٦٧] . قَالَ مُجَاهِدٌ: أُمِرْنَا بِالنَّحْرِ، وَأُمِرَ بَنُو إسْرَائِيلَ بِالذَّبْحِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بُعِثَ فِي قَوْمٍ مَاشِيَتُهُمْ الْإِبِلُ، فَسُنَّ النَّحْرُ، وَكَانَتْ

<<  <  ج: ص:  >  >>