للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[أبو بكر الصديق]

أبو بكر المسئول والخليفة الأول بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، تعالوا، لننتقل إليه في عاصمة الإسلام في المدينة؛ لنرى يوماً من أيامه مع الرعية، وكيف عاش الخليفة أبو بكر؟!

ينطلق من المسجد كل صباح بعد صلاة الفجر مع المسلمين ويذهب إلى خيمة في الصحراء فريدة وحيدة، فيدخلها وعمر الوزير والمستشار المفوض لـ أبي بكر، يتابع الخليفة في خطواته ولا يدري أبو بكر أن عمر يتابعه ويريد أن يرى أين يذهب أبو بكر الصديق خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ولما دخل أبو بكر وخرج من الخيمة؛ دخل عمر بعد أبي بكر، فوجد عجوزاً كبيرة كسيرة عمياء في الخيمة، معها أطفال أبوهم قد مات، لا عائل لهم إلا الواحد الأحد، قال عمر: يا أمة الله! من أنت؟

قالت: امرأة من المسلمين حسيرة كسيرة، عجوز لي أطفال، مات أبوهم من زمن، قال: فمن هذا الشيخ الذي يأتيكم؟

قالت: والله ما أدري من هو.

لكن الواحد الأحد يدري من هو، الذي يعلم السر وأخفى، الذي يعلم صدق الصادقين وإنابة المنيبين.

قال عمر: ماذا يفعل هذا الشيخ الذي يأتيكم، قالت: يأتينا بعد فجر كل يوم، فيكنس بيتنا، الله أكبر أبو بكر يكنس البيت؟!

نعم.

لأنه يريد الجنة، يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [القصص:٨٣] وقال تعالى أيضاً: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً} [الفرقان:٦٣].

وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من تواضع لله رفعه، ومن تكبر على الله وضعه}.

قالت المرأة: يكنس البيت، ويصنع لنا طعامنا -يتحول الخليفة إلى طباخ للمساكين، يقدم لهم وجبة الإفطار- ويحلب لنا شياهنا، ثم ينطلق.

فماذا يرد عمر على هذه القصة؟ جلس عمر يعلق على القصة بالبكاء.

إذا اشتبكت دموع في خدودٍ تبين من بكى ممن تباكى

أحاذر أن يشق على المطايا فلا تمشي بنا إلا سواكا

ثم يقول عمر: [[أتعبت الخلفاء بعدك يا أبا بكر]] أتعبت يا أبا بكر المسئولين، أتعبت يا أبا بكر الموظفين؛ لأنك مشيت في طريق لا يستطيع أحد أن يمشي فيه، ولذلك ابن القيم إذا ذكر أبا بكر الصديق قال له:

من لي بمثل سيرك المدلل تمشي رويداً وتجى الأول

<<  <  ج:
ص:  >  >>