للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[أنواع البكاء]

أما البكاء فهو أنواع: منها: بكاء الحزن على الفائت، وأعظم بكاء في تاريخ الإنسانية هو بكاء يعقوب عليه السلام على يوسف، يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: {وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ} [يوسف:٨٤] بل ورد في بعض الآثار: أن الملائكة شاركته في البكاء، ودرجة بكاء تصل إلى أن يشارك الملائكة هذا الرجل الصالح، إنها درجة عظيمة.

ولا بد من شكوى إلى ذي قرابة يواسيك أو يسليك أو يتوجع

وممن بكى كذلك كثيراً في تاريخ البشرية داود عليه السلام، ألم بذنب فبكى بكاءً عظيماً حتى كادت تتلف روحه.

ومن أنواع البكاء: البكاء من خشية الله، وأخشى خلق الله لله هو محمد صلى الله عليه وسلم، فقد ذكر ابن مردويه وابن جرير: أن بلالاً رضي الله عنه وأرضاه مر بالرسول عليه الصلاة والسلام ليخبره بصلاة الفجر، فقال: يا رسول الله! الصلاة، قال: {يا بلال نزلت علي آيات ويلٌ لم قرأها ولم يتدبرها، ثم قرأها صلى الله عليه وسلم، وأخذ يبكي، وهي قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران:١٩٠ - ١٩١]}.

وفي سنن أبي داود بسند صحيح عن مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه قال: {كنت أدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولصدره أزيز من البكاء كأزيز المرجل}.

الأزيز: صوت يحدثه البكاء في الصدر.

والمرجل: القدر إذا اجتمع غلياناً بالماء، فكأن صدره صلى الله عليه وسلم لكثرة أحزانه وخشيته لله القدر يوم يجتمع غلياناً، وورد عنه صلى الله عليه وسلم البكاء في أكثر من حديث ليس هذا مقام ذكرها.

ومن البكاء: بكاء الهلع، وبكاء الجبن والخور، وهذا مذموم، كأن ترد على الإنسان مصيبة.

فيبكى ساخطاً متسخطاً على قضاء الله، ولو بكى قليلاً من غير تسخط لكان لا شيء عليه.

ومن أنواع البكاء: البكاء من الفرح سبحان الله! أفي الفرح بكاء؟! نعم، إن أقصى درجات الفرح يحدث بكاءً، لذلك إذا بشرت الأم -مثلاً- بولدها وقد قدم من سفر طويل بكت، قال الأول:

طفح السرور عليَّ حتى إنني من عظم ما قد سرني أبكاني

وقال أنس: [[ما كنت أظن أن الإنسان إذا فرح بكى، حتى رأيت الأنصار يوم قدم صلى الله عليه وسلم المدينة يتباكون]] وجاء في صحيح مسلم أن أبي بن كعب وأبي هذا أمة من الأمم، سيد القراء، أتى رجل من العراق وعمر رضي الله عنه في اجتماع طارئ للصحابة ولكبار علماء الصحابة، واضع على يمينه أبي بن كعب سيد القراء، وكانت لحيته بيضاء، ورأسه أبيض، وكان عابداً لله عز وجل، يتلو كتاب الله دائماً، فقال العراقي: يا أمير المؤمنين! من هذا الرجل الذي بجانبك، قال: ثكلتك أمك! أما تعرفه؟! هذا سيد المسلمين أبي بن كعب.

أتى جبريل فقال للرسول عليه الصلاة والسلام: {إن الله يأمرك أن تقرأ سورة: {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ} [البينة:١] على أبي بن كعب -فذهب صلى الله عليه وسلم معلم البشرية، وهادي الإنسانية، ومزعزع كيان الوثنية إلى طالب من طلابه، وتلميذ من تلامذته، وإلى حسنة من حسناته ليقرأ عليه السورة- فقال أبي: يا رسول الله! من أمرك بهذا؟ قال: الله، قال: وسماني في الملأ الأعلى؟ قال: إي والذي نفسي بيده، فبكى أبي} من الفرح؛ لأن الله سماه من فوق سبع سماوات.

<<  <  ج:
ص:  >  >>