للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[وفد الطائف]

أتى أناس من الطائف في وفد فقال لهم صلى الله عليه وسلم: {أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن تتركوا ما كنتم تعملون من الفواحش في الجاهلية، فقام كنانة وكان سيدهم فقال: ماذا تأمرنا أن نترك؟ فتبسم صلى الله عليه وسلم قال: اتركوا الزنا، قال: نسافر الأشهر ولا نزني؟ قال: صلى الله عليه وسلم: نعم، قال: ونترك ماذا؟ قال: لا ترابون، قال: فمن أين لنا ربحٌ؟ أنأخذ رأس مالنا ونخسر؟ قال صلى الله عليه وسلم: لا ترابون، ثم ذكر صلى الله عليه وسلم الخمر، قال: لا نشرب؟ قال: لا تشربون، قال: لا نستطيع ولكن اكتب كتاب أمان؛ فتبسم صلى الله عليه وسلم}

ما آمنوا بالله ولا برسوله ولا بهذا الدين، ويقولون: اكتب لنا كتاب أمان، فقال صلى الله عليه وسلم: {لا أمان لكم عندي، وإنما هي المصارمة والمقاتلة، وانتظروا يوماً كيوم أهل مكة} فاجتمعوا في بيت المغيرة وقالوا: ماذا ترون؟ قال المغيرة: أرى أنكم إن لم تفعلوا فإن الرسول صلى الله عليه وسلم سوف يهدم بيوتكم على رءوسكم، فتعالوا فأسلموا وأطيعوا وآمنوا بما جاء به، فأتوا وأطاعوا فقال كنانة وكان عاقلاً من عقلائهم: إذا رجعنا إلى قومنا في الطائف قالوا: إنا قد أعطينا الدنية وربما قتلونا، فإذا أتينا ودخلنا عليهم في الطائف فسنظهر الغضب، وكلٌ منا لا يحدث الآخر، ونتشاتم ونحن في الطريق أمامهم، ثم لا نسلم عليهم، وندخل في بيوتنا مغضبين، فإذا سألونا ما لكم؟ قلنا: سوف يحاربنا محمد صلى الله عليه وسلم ويشن علينا الغارة؛ لأنا أبينا أن نترك الزنا والربا ونترك الخمر، فإنهم سوف يقولون لنا: اذهبوا إليه وقولوا: سوف نترك هذا وهذا؛ لأنه سوف يقاتلنا كما قاتل قريشاً، فلما قربوا من الطائف خرج أهل الطائف رجالاً ونساءً وأطفالاً، فتفرق هذا الوفد كل واحد على حدته، وأخذوا يتشاتمون ويتحاثون بالتراب على وجوههم، فقال لهم القوم: ما لكم ذهبتم جميعاً ورجعتم فرادى؟! ادخلوا معنا، فما كلموهم، ودخل كل واحد بيته، فاجتمع أهل الطائف جميعاً وقالوا: نرى أن تذهبوا إلى هذا الرجل وأن تعطوه ما أراد، وأن تكتبوا بينكم وبينه كتاباً؛ فإنا نخاف أن يوقع علينا الدائرة، فقال كنانة: هذا ما أردنا وقد فعلنا ما أردتم، فاجتمعوا جميعاً فأسلموا.

فرجع المغيرة إلى رسول صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! أرسل معي رجلاً يهدم اللات التي كانوا يعبدون، فقال: قم يا خالد، وهو رجل المهمات والطوارئ، فقام رضي الله عنه مع المغيرة، فلما ذهبوا قال المغيرة لـ خالد وكان مزاحاً، سوف أضحكك وأضحك أهل ثقيف اليوم، قال: ماذا تفعل؟ قال: اتركني ولا تقرب هذه اللات؛ فإنهم يظنون أنها تقتل، وأنها تحيي وتميت، وأنها تنفع وتضر، فسوف أقعد عليها، ثم أصيح وكأنني مقتول، ثم أتقلب عليها، فقام بالفرس فضربها ضربة ثم شهق شهقة حتى سمع أهل ثقيف، فإذا هو ملقى على ظهره كأنه مقتول، فقال أهل ثقيف: لقد حذرناك يابن فلانة -يقصدون المغيرة - وقلنا لك: إنها تقتل الناس، فذق ما أتاك، وخذ يابن بني مخزوم -يقصدون خالداً - مثلما فعل صاحبك؛ تقدم إن كان فيك خير، فسكتوا، وأقبلوا يقلبون المغيرة ظانين أنه قد مات، فانتفض حتى وقف يضحك قال: قاتلكم الله يا ثقيف! أما عرفتم أن هذه حجارة لا تنفع ولا تضر، فقام خالد فهدمها من أساسها رضي الله عنه وأرضاه.

وكان منهم عروة بن مسعود قتله قومه قال صلى الله عليه وسلم: {إن مثله في قومه كمثل صاحب يس في قومه} يقول صلى الله عليه وسلم: {ورأيت عيسى كأنه عروة بن مسعود الثقفي} أي في جسمه وهيئته.

<<  <  ج:
ص:  >  >>