للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[وقفات مع بيعة العقبة]

لابد أن أقف مع بيعة العقبة وقفات لأنها تسمى: البيعة الكبرى.

كان صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على قبائل العرب، وكان يمر على السوق فيقول: من ينصرني؟ يقول لبني شيبان: انصروني، وامنعوني مما تمنعون به نساءكم وأطفالكم ولكم الجنة فيقولون: لا نستطيع، يمر على القبيلة الأخرى فيعرض نفسه عليه الصلاة والسلام فيعتذرون، وكل قبيلة تعتذر لماذا؟ لأنهم يقولون: لو أننا نصرناه لحاربَتْنا العرب عن وتيرة واحدة.

ويوم أراد الله أن يرفع الأنصار جعلهم أنصار الرسول صلى الله عليه وسلم، فأتى عليه الصلاة والسلام في العقبة ليبايع الأنصار، قال عبدالله بن رواحة: {يا رسول الله! على ماذا تبايعنا؟ قال: أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأطفالكم وأموالكم، قالوا: فإذا فعلنا ذلك فما لنا عند الله؟ -أي: ماذا تعطينا من مكافأة إذا نصرناك وآويناك وجاهدنا معك؟ - قال: لكم الجنة، قالوا: ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل}.

يقول ابن القيم معلقاً على هذه البيعة: {البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإذا تفرقا فقد وجب البيع} ولذلك أعلنوا بيعتهم رضوان الله عليهم، وكانوا ينتظرون متى يسلمون أرواحهم رخيصة في سبيل الله.

وأنا أذكر نماذج الأنصار كما فعل ابن حجر لما شرح هذا الحديث، عرض لبعض النماذج باستطراد ليثبت أن الأنصار بايعوا الرسول صلى الله عليه وسلم على الجهاد، كانوا يحضرون المعركة وهم ينشدون ويترنمون ويقولون:

نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما بقينا أبدا

من أبطالهم: أبو دجانة، سلم نفسه في أحد للبيعة، لكنه ما قتل ذاك اليوم، أتى إلى المعركة فوقف عليه الصلاة والسلام قبل المعركة، فمد سيفه صلى الله عليه وسلم، قيل: ذو الفقار، وقيل: غيره، قال: {من يأخذ هذا السيف؟ فمد الصحابة أياديهم كلهم يريد أن يأخذ السيف، قال: من يأخذ هذا السيف بحقه؟ فسكنت الأصابع وهدأت الأصوات، وقام أبو دجانة وقال: أنا آخذه يا رسول الله بحقه، فما هو حقه؟ قال: حقه أن تضرب به في الأعداء حتى ينحني -فما قال: تضرب به فحسب، وإنما تضرب به حتى ينحني- فلما أخذه أخرج عصابة حمراء من جيبه، وشد رأسه وقال:

أنا الذي عاهدني خليلي ونحن بالسفح لدى النخيل

ألا أقوم الدهر في الكيول أضرب بسيف الله والرسول

فلما أخرج عصابته الحمراء سكت الأنصار وقالوا: أخرج أبو دجانة عصابة الموت!} يسمى هذا خطر ممنوع الاقتراب قال أنس: فتتبعت أبا دجانة فكان يفلق بالسيف هامات الكفار حتى أتى بالسيف في العصر وقد انحنى.

سبحان الله! سيف ينحني؟ يقول النابغة الذبياني يمدح الغساسنة فيقول:

ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب

تخيرن من أزمان يوم حليمة إلى اليوم جربن كل التجارب

يقول: من أزمان جداتهم وسيوفهم معهم، لا عيب فيهم إلا أن أسيافهم مثلمة، وهذا يسمى عند أهل البلاغة: المدح بما يشبه الذم.

كان عكاشة في معركة بدر يضرب بالسيف حتى تكسر، وما تبقى منه إلا المقبض، فأخذ صلى الله عليه وسلم عوداً من خشب، وقال: خذ هذا السيف بارك الله لك فيه، فهزه صلى الله عليه وسلم فتحول سيفاً بإذن الله -وقد ذكر هذه القصة ابن القيم وابن هشام وابن إسحاق - هز الخشب عليه الصلاة والسلام فأخذه عكاشة وقاتل به، وبقي معه حتى قال أهل العلم: دفن معه في القبر.

وحضر قتادة بن النعمان معركة أُحُد، وهو من الذين بايعوا النبي عليه الصلاة والسلام يوم العقبة، فلما حضر المعركة رميت عينه اليمنى فسالت عينه على خده، فأخذها النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: باسم الله، ثم أعادها مكانها وأرجعها عليه الصلاة والسلام، فكانت أجمل من العين الأخرى} حتى يقول ابنه لما يمتدح:

أنا ابن الذي سالت على الخد عينه فردت بكف المصطفى أحسن الرد

ومن أهل الأنصار من أهل بيعة العقبة: عبد الله بن عمرو الأنصاري حضر في معركة أُحُد فباع نفسه من الله، وقال: اللهم خُذ من دمي هذا اليوم حتى ترضى، فسلم نفسه من الله فقتل، ضرب أكثر من ثمانين ضربة، حتى يقول صلى الله عليه وسلم لابنه جابر: {ابكِِ أو لا تبكِ، فوالذي نفسي بيده، ما زالت الملائكة تظلل أباك بأجنحتها حتى رفعته، وقد كلمه الله كفاحاً بلا ترجمان}

هذه قصص استعرضتها لما قال كعب بن مالك إنه من أهل بيعة العقبة، أما الدرس فعنوانه (الفرج بعد الشدة) أي: أنها إذا اشتدت الشدائد واحتكمت الضوائق فلا يفرجها إلا الله عز وجل.

لأحد أهل اليمن وهو شاعر يمني عظيم، له قصائد طويلة.

فـ ابن دريد يقول:

يا ظبيةً أشبه شيء بالمها ترعى الخزامي بين أشجار النقا

فعارضه اليمني هذا بقصيدة في العقيدة كأنها قذائف من القِلب يقول:

سبحان من يعفو ونهفو دائماً ولم يزل مهما هفا العبد عفا

يعطي الذي يخطي ولا يمنعه جلاله عن العطا لذي الخطا

لطائف الله وإن طال المدى كلمحة الطرف إذا الطرف سجا

يقول ابن الجوزي في صفة الصفوة: "لا يفرج الكرب إلا الله، ولا يرزق إلا الله".

وهذه عقيدة أهل السنة والجماعة، وكتابات ابن تيمية تدور حول العبادة والرزق، وكشف الضر من الله عز وجل.

يقول ابن الجوزي في قصته: "مر رجلٌ فرأى عصفوراً ينقل لحماً إلى نخلة، قال الرجل: فتعجبت لأن العصفور لا يعشعش النخل، فصعدت النخلة فوجدت في النخلة حية عمياء، قال: إذا أتى العصفور باللحم صوَّت العصفور، وترنم بصوته، ففغرت فاها وهي عمياء، فألقى في فمها اللحم وعاد، فعلمت أنه لا يرزق إلا الله الواحد الأحد".

وعلى سبيل المثال عندما استطردنا في ذكر الحيوانات يذكر ابن القيم في مفتاح دار السعادة قصة أرويها على ذمة ابن القيم وهي قصة النملة المشهورة، لكن لا بأس بتكرارها.

كرر العلم يا جميل المحيا وتدبره فالمكرر أحلى

قص ابن القيم علينا قصة يقول: كانت هناك نملة خرجت من جحرها تطلب الرزق، والله عز وجل يتجلى في خلق النملة ويتجلى في خلق النحلة، ويتجلى في كل شيء قال تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [هود:٦] {وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام:٣٨] كلها تدل على الواحد الأحد.

قل للطبيب تخطفته يد الردى من يا طبيب بطِبِّه أرداكَا!

قل للمريض نجا وعوفي بعدما عجزت فنون الطب مَن عافاكَا!

والنحل قل للنحل يا طير البوا دي ما الذي بالشهد قد حلاكَا!

وإذا ترى بالثعبان ينفث سمه فاسأله من ذا بالسموم حشاكَا!

واسأله كيف تعيش يا ثعبان أو تحيا وهذا السم يملأ فاكَا!

يقول: جلس رجلٌ عند بيت نملة، وكان هناك رجل جرادة بجانب بيت النملة، فخرجت النملة فوجدت رجل الجرادة، فحاولت أن تزحزحها وتسحبها إلى بيتها فما استطاعت، فعادت تأخذ نقالات وحمالات؛ لأن النمل ثلاثة أقسام: ملكة، وهذه لا تشتغل وإنما تصدر الأوامر ولها عاملات حولها وخدم، وهناك شغالات همها تبني خلايا البيض والبيوت وتصلح الأعشاش، وهناك خدم عمال، وهؤلاء جنودٌ متطوعون يأتون بالرزق، ذلك من حكمة الواحد الأحد، ذلك خلق الله، قال تعالى: {هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ} [لقمان:١١] وقال سبحانه: {وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ} [الحج:٧٣] خرجت فحاولت أن تجر رجل الجرادة فما استطاعت، فعادت فأخبرت الشغالات أو الخدم، ففي أثناء عودتها ومعها ما يقارب الثلاثين نملة فأتى الرجل، فرفع رجل الجرادة، فبحثوا في المكان فما وجدوا شيئاً فعادوا، ووقفت النملة وحدها مكانها، فلما رجع البقية أعاد لها رجل الجرادة، فحاولت أن تسحبها ولكنها لم تستطع، فعادت فكلمتهم فأتوا، فرفع رجل الجرادة، فبحثوا ولم يجدوا شيئاً فرجعوا، ثم وضع الرِجل، فأتت تسحب فما استطاعت، فعادت فكلمتهم فأتوا فرفع الرجل فما وجدوا في المكان شيئاً، قال: فتحلقوا على هذه النملة فقطعوها إرباً إربا".

ذكرها ابن القيم في مفتاح دار السعادة، والعهدة على ابن القيم وهو ثقة عند أهل السنة والجماعة.

والذي يؤخذ من هذا: أن الفرج من عنده سُبحَانَهُ وَتَعَالى، ولا يفرج الكرب إلا هو تبارك الله رب العالمين.

من ضمن هذه الكرب التي مرت قصة أكررها كثيراً، لكن لا بأس بإيرادها:

يقول ابن القيم في كتاب الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي "كان هناك رجل تاجر وخرج في تجارة، فعرض له أحد قطاع الطرق، فلجأ إلى الله فأنجاه الله".

وهناك قصة إبراهيم عليه السلام حينما أرادوا أن يلقوه في النار، تقطعت به الأسباب، وتقطعت به الحبال إلا من ذي الجلال والإكرام، أتاه جبريل فقال لإبراهيم: "ألك إليَّ حاجة؟ قال: أما إليك فلا، وأما إلى الله فنعم" والصحيح أن الإنسان يلجأ لا إلى جبريل ولا إلى ميكائيل ولا إلى إسرافيل ولا إلى محمد صلى الله عليه وسلم، فهؤلاء لا ينفعون ولا يضرون ولا يشافون ولا ينجحون ولا يرزقون ولا يشفون، وإنما يفعل ذلك الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى، قال تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً} [الفرقان:٣].

<<  <  ج:
ص:  >  >>