للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[حديث معاذ وموقف الدعاة أمامه]

وقبل أن أدخل إلى هذه المسائل معي لكم هدية كأنها وقفة أو استراحه في غضون المحاضرة، أروي هذا الحديث من مسند أحمد ولو أن أصل الحديث في الصحيحين عن معاذ رضي الله عنه وأرضاه، قال: {كنت رديف الرسول صلى الله عليه وسلم على حمار يقال له: يعفور} سمى الحمار ومعنى ردفه: أي ركب وراءه مباشرة، ومعلم البشر وخير من خلق الله، ومخرج الناس من الظلمات إلى النور، يركب على حمار عليه الصلاة والسلام! فلما ردفه قال: {سار بنا الحمار فعثر فسقطت أنا والرسول عليه الصلاة والسلام} لك أن تتأمل المشهد ولك أن تتصور.

ركب الرسول صلى الله عليه وسلم الحمار ورديفه معاذ، وانطلق بهم الحمار، فعثر فسقط الرسول صلى الله عليه وسلم من على الحمار، وسقط معاذ، قال: {فذكرت من نفسي أسفاً} يقول معاذ: تأسفت على سيد البشر صلى الله عليه وسلم؛ لأنه ليس زعيماً ولا مفكراً ولا أديباً ولا عالماً، وإنما سيد البشر، وخير من خلق الله!

قال: {فذكرت من نفسي أسفاً، وقام صلى الله عليه وسلم يضحك -هكذا رواية أحمد - ثم ركب ثانية فعثر الحمار فسقط! فقام صلى الله عليه وسلم يضحك -وعند أحمد الثالثة- ثم سار الحمار فقال صلى الله عليه وسلم: يا معاذ! قال: لبيك وسعديك يا رسول الله! قال: أتدري ما حق الله على العباد؟ قال: الله ورسوله أعلم.

قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، ثم سار، وقال: وهل تدري ما حق العباد على الله إن هم فعلوا ذلك؟ قال: الله ورسوله أعلم.

قال: ألا يعذبهم} وهي بشرى تحرَّج معاذ أن يخبر بها الناس، ولكن أخبر بها الناس عند موته تأثماً؛ لأن سيد العلماء خاف أن يتكل الناس على هذا الحديث ويتركوا العمل.

ولذلك توج الإمام الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: (هذا الحديث في كتاب التوحيد بباب التوحيد وما يكفر من الذنوب).

ثم أتى بهذا الحديث، فهي بشرى أزفها بين يديكم من محمد عليه الصلاة والسلام.

أيها الإخوة الكرام! في غضون هذا الحديث، هناك مطالبات يطالب بها الداعية إخوانه وطلابه وأحبابه في هذه الفترة الحرجة من فترات التاريخ؛ التي كثرت فيها الردود والأهواء؛ وتشعبت فيها الأفكار، وتفرقت فيها الكلمة، ما هي العصمة يا عباد الله؟

كتاب الله وسنة محمد صلى الله عليه وسلم، والالتجاء بعد الله إلى العلماء، إلى أهل الفقه في الدين، إلى علماء أهل السنة والجماعة، ومنهم: كبار العلماء في بلادنا، فإن لهم من الحسنات ما الله به عليم، وإن أخطئوا في بعض المسائل فهم مجتهدون، وكما قال الأول:

وإذا الحبيب أتى بذنب واحد جاءت محاسنه بألف شفيع

فلهم من العقيدة الصافية، ولهم من كثرة الاطلاع، ومن الفقه في الدين، ومن حب الله ورسوله ما يشفع لهم أخطاءهم التي لا يسلم منها البشر، فالرجاء الاحترام لهم، والالتفاف حولهم، وزيارتهم ومعرفة قدرهم، فإنها من الأعمال الصالحة التي تقرب إلى الله تعالى.

<<  <  ج:
ص:  >  >>