للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[إرسال الطير عليهم وقتلهم شر قتلة]

قال: {وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ} [الفيل:٣]:-

أبابيل: قال مجاهد: مجتمعة، كانت تأتي أفواجاً كالغمامة، وقال بعضهم: متفرقة، والله أعلم، ومفرد أبابيل: إِبُّوْل، وإِبِّيْل، ولا يهمنا هذا، ولكن قيل: أبابيل -كما يقول بعض المفسرين- لأن لها هَمْهَمَة، ويقال: إذا أقبلت سمعوا لهذه الطيور زمجرة وصياحاً وإنذارات مبكرة حتى تختفي، وقال بعضهم: لا.

بل كانت تأتي على صفوف، فكان الصف الأول ينزل حمولته، ثم يأتي الصف الثاني ويلقي ما معه، ثم الثالث، وكأنها مرتبة من الواحد الأحد فسبحان الذي علَّم! وسبحان الذي خلق! وسبحان الذي كتب الكتاب على الصخور! وسبحان الذي أرسل! وسبحان الذي أعد! انظر إلى قدرة الباري، ولله عزَّ وجلَّ في خلقه شئون، وقد يستحدث الله الأمر في لحظة، فلله جنود لم تروها، وجنود ترونها.

قال: {وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ} [الفيل:٣ - ٤]:-

سجيل: وورد أيضاً: سجين وهو طين محموم، فيجوز هذا عند أهل اللغة أن تكون بالنون وباللام مثل قولك: جبريل، وجِبرين عليه السلام، الأرض تمطر سجيلاً وسجيناً، والحجارة من السجيل يقال: إنها حجارة مغلية، أُغْلِي عليها، الله أعلم أين أُغلي عليها! وأين خُلِقَت! خُلِقَت بكلمة {كُنْ فَيَكُونُ} [البقرة:١١٧] ثم كُتِبَ اسم الجُنْد عليها، وكانت عند أهل العلم سوداء، وقال بعضهم: محمرة، وكتب عليها أسماء الجنود، وكان يحمل الطائر الحجارة ثم يلقيها كما سلف معنا.

قال: {تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ} [الفيل:٤] وفي الآية جمال بلاغي اختتمت باللام؛ لأنه من لوازمها أن تختم باللام، لأن كلمة الفيل في آخرها لام، فالله عزَّ وجلَّ لجمال القرآن أراد أن يختم أواخر الآيات بفواصل جميلة وهي: اللام، فأتى بها سبحانه وتعالى، ومنها قوله: {فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ} [الفيل:٥].

قال: {فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ} [الفيل:٥]:-

العصف المأكول باختصار هو: الزرع إذا أُكل، وقيل: الزرع إذا قطِّع، وقال بعضهم: العصف المأكول هو: النبت الذي لا ثمر فيه؛ فإنهم لا ثمرة فيهم أبداً؛ لأنهم سحقوا وما كان عندهم مبادئ، ولا يحملون أفكاراً، والله سمى أعداءه أنهم كالوحوش وكالبهائم، قال سبحانه وتعالى: {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً} [الفرقان:٤٤] وقال عنهم سبحانه وتعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ} [محمد:١٢] فانظر إلى هذا الرابط من التشبيه أن جعل سبحانه وتعالى هؤلاء الحقراء الأعداء الجبناء كالعصف الذي لا يحمل ثمرة، والذي لا يقوم بمبدأ، ولا يحمل رسالة، وليس عنده تأثير ولا إيمان ولا توحيد، فهو كالزرع الذي لا يحمل ثمرة.

أما لماذا وصفهم الله بالعصف المأكول: فإن منظرهم يوم قتلوا كمنظر العصف الذي وقعت فيه البهائم، أي: عاثت فيه تماماً، ولعبت في لعباً، حتى أنه يُقال: كان يوجد رأس الجندي على مسافة أميال من جثته، ورمي بحجر، وقال بعضهم: كان الحجر يقع على رأسه ويخرج من دبره والعياذ بالله، وقال بعضهم: يقع الحجر في كتفه ويخرج من الجهة الأخرى، أي: أن الجنود مُزِّقوا تمزيقاً عجيباً، حتى أنه وُجد أن الجيش الستين ألفاً في مساحة ضيقة في وادي محسر، وكلهم (مُلَخْبَطُون) أولهم على آخرهم، فيقول سبحانه وتعالى: {فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ} [الفيل:٥].

<<  <  ج:
ص:  >  >>