للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[أشراط الساعة]

ثم قال جبريل عليه السلام: {متى الساعة؟ قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل، وسأخبرك عن أشراطها} معناه: أنا لست أعلم منك، وأنت تجهلها، ونحن في الجهل سواء، فإذا لم أعلمها وأنا المسئول فأنت من باب أولى ألا تعلمها وأنت تسأل، قال جبريل: {وما علاماتها؟ -وفي لفظٍ- ما أشراطها؟} جمع شرط، وهو العلامة، وفي رواية قال صلى الله عليه وسلم: {وسأخبرك عن أشراطها} ومن فائدة عرض العلامات أن يتدبر الناس.

{إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى} [طه:١٥] قال بعض أهل العلم: معنى أكاد أخفيها: أكاد أظهرها؛ من باب التضاد.

قال: سأنبئك عن أشراطها، ولم يذكر هنا إلا علامتين، فكيف يقول: أشراطها ولم يذكر إلا علامتين؟ قالوا: إن أقل الجمع اثنان، أو أنه ذكر شرطاً آخر لم يذكره الراوي هنا.

قال: {إذا ولدت الأمة ربتها} وهنا: {إذا ولدت الأمة ربها} ولا خلاف بين ربتها وربها، والمعنى: أن الرسول صلى الله عليه وسلم يخبر أنه في آخر الزمان سوف ينشر الله هذا الدين، وينتصر المسلمون، ويسبون السبي، فيأخذ المسلم أمة، فتنجب له ولداً، يصبح هذا الولد سيداً لها؛ لأنه ابن سيدها، وهذا المعنى هو الذي تميل إليه النفس من أربعة معاني ذكرها أهل العلم.

والمعنى الثاني: أن العرب تكون سادة لغيرهم من الأمم، وهو بعيد.

والمعنى الثالث: أنها تختلط الأنساب في آخر الزمان حتى تلد الأمة ربها، أي: أنها تصبح عنده الأم يتزوجها، وهذا بعيد ونسأل الله العافية؛ لأن اختلاط الأنساب من المفاسد التي لا يقرها الدين، لكن الصحيح أنه يتسرى المسلمون في آخر الزمن إذا انتصروا على الأعداء، فإذا ولدت الأمة ابناً أصبح هذا الابن ابن سيدها، فأصبح سيداً لها.

{وإذا تطاول رعاة الإبل البهم} قال أهل العلم: البهم: إما صفة للإبل أي أن لونها أبهم، أو أنها صفة لرعاة الإبل أنهم بهم عميٌ صم، أي لا يفقهون في الدين شيئاً، يبنون القصور وهم لا يعرفون كيف يصلون، فهذا من علامات الساعة إذا تحضر البدو وبنوا القصور، وتزاحموا في بناء البيوت، فهذه من علامات الساعة التي أخبر بها صلى الله عليه وسلم.

{وإذا تطاول رعاة الإبل البهم في البنيان} (رعاةُ الإبلِ البهمُ) بالرفع على أنها صفة للرعاة، و (رعاةُ الإبلِ البهمِ) بالكسر على أنها صفة للإبل.

{في خمسٍ لا يعلمهن إلا الله} أي أن هذه الخمس استأثر الله بعلمها: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [لقمان:٣٤] والسر في قوله تعالى: {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [لقمان:٣٤] أن الدراية غير العلم؛ لأنه لو قال سبحانه وتعالى: وما تعلم لاقتضى أنها تدري بعض الشيء، لكن لما قال: ولا تدري فهو يحوط كل العلم أي أن الدراية علمٌ وزيادة.

ثم خرج جبريل وقام من بين الناس رضي الله عنه وأرضاه فأدبر، فقال صلى الله عليه وسلم: {ردوه} لأنه يظن صلى الله عليه وسلم أنه رجل وأراد صلى الله عليه وسلم أن يسأله: من أين أتيت؟ وماذا تريد؟ فخرج هذا الرجل فالتمسوه في سكك المدينة فلم يجدوه، فرجعوا فأخبروا صلى الله عليه وسلم قالوا: ما وجدناه، فتبسم صلى الله عليه وسلم وقال: {هذا جبريل جاء الناس يعلمهم أمر دينهم} قال أهل العلم: يمكن أن الرسول صلى الله عليه وسلم عرف في تلك الساعة من الله أنه جبريل، أو يمكن أنه عرف بالقرائن والأسباب أنه جبريل عليه السلام، فجعل ذلك صلى الله عليه وسلم كله ديناً، وأخبر الناس أن هذا هو الدين الذي أتى به جبريل من عند الله عز وجل، والذي أجاب عليه محمد صلى الله عليه وسلم.

وهذا الحديث هو الإسلام وهو الإيمان وهو الإحسان، وهو درجات أهل اليقين، فأول ما يبدأ الإنسان المرحلة الأولى في هذا الدين لا بد أن يتقيد بفرائض الإسلام التي ذكرها صلى الله عليه وسلم أولاً، ثم عليه بالإيمان، وقد قال تعالى: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا} [الحجرات:١٤] يعني أنهم تعدوا مرحلة، فردهم الله سبحانه وتعالى في المرحلة الأولى، يقول: ما نجحتم إلى الآن، فلا تدعوا درجة ليست لكم، وأما الإحسان فهي درجة المقربين، وهي أرفع درجة، وهي درجة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، قال بعض أهل العلم: وهي رسوخ العلم القلبي بالعيان بالإيمان حتى يكون الغيب كالعيان، وورد في بعض الأحاديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: {اعبد الله كأنك تنظر إليه، واستحي من الله كأحيا رجلٍ من قبيلتك} كما ترى أحياناً رجل تستحيي منه، فاستحي من الله أكثر وأكثر؛ لأن سبحانه وتعالى بيديه مقاليد القلوب، واعلم أن الله سبحانه وتعالى مطلع، وأن له معية -كما يقول أهل السنة والجماعة - خاصة في كل إنسان: فما يكون من نجوى ثلاثة إلا وهو رابعهم، فهو مع كل فردٍ منا في الليل والنهار.

وإذا خلوت بريبةٍ في ظلمة والنفس داعية إلى الطغيان

فاستحي من نظر الإله وقل لها إن الذي خلق الظلام يراني

<<  <  ج:
ص:  >  >>