للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[تجنيب هذا البلد المعاصي الظاهرة والباطنة]

ومن حقوق هذا البلد أن نجنبه المعاصي الظاهرة والباطنة، كالبنوك الربوية، فإنه لا يجوز أصلاً وجودها في العالم الإسلامي، وفي الحرم أدهى وأمر، فإنه لا يجوز بحال من الأحوال أن تبقى، ولا يجوز تَكشُّف المرأة في بيت الله الآمن الذي دافع عنه سبحانه وتعالى، والذي أرسل الطير الأبابيل من أجل بيته، ولذلك له قداسة، ومن قداسته ألا يُلوَّث بمعصية، وقد رئي أن المرأة تدخل الحرم بدون عباءة وغطاء، ثم تأتي وتطوف ببيت الله الذي دافع عنه سبحانه وتعالى، والذي ذكَّر الله الناس بنعمه، فتجد المصلين بالألوف لا يأمر أحدٌ منهم ولا ينهى، وتجد الاختلاط والمناظر التي لا تصلح.

ومن تدنيس هذا البيت كذلك: أن تجد المناظر التي تخالف شرع الله عزَّ وجلَّ في مثل المتاجر التي تحيط بالحرم، وهي تبيع المعاصي التي نهى عنها رسول الهدى عليه الصلاة والسلام، وأجمع أهل العلم على تحريمها، مثل: أشرطة الغناء، ومحلات الفيديو، ومحلات المجلات الخليعة، ومحلات الألبسة الكاشفة العارية التي تظهر المرأة في صورة مزرية، والغش والدجل، وجلوس كثير من الناس في الحرم يغتابون ويقطِّعون أوقاتهم في القيل والقال وفي الاعتداء على أعراض المسلمين، فالبدع التي تشاهَد أحياناً في الحرم، وهي تخالف منهج الرسول عليه الصلاة والسلام، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: {من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد}.

وقف عليه الصلاة والسلام عند الكعبة -وهذا الحديث يُروى عنه- فقال: {ما أعظمكِ وما أشد حرمتكِ! ووالذي نفسي بيده، لَلْمسلم أعظم حرمةً منكِ} ونظر عليه الصلاة والسلام وهو في حمراء الأسد إلى مكة فبكى عليه الصلاة والسلام، وقد أخرجه أهلها، ومن صلى منكم العشاء البارحة في الحرم سمع ما قرأ لنا الإمام: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [الأنفال:٣٠] فيعيش الإنسان وهو في الصلاة مستشعراً التحدي لهذا النبي المعصوم من الجاهلية، ومعاناته، وكأنه داعية مطارَد يتعرض مرة للحبس، ومرة للقتل، ومرة للإخراج من البلد، وفي الأخير أُخرج عليه الصلاة والسلام، فيلتفت وبناتُه الأربع في مكة، وتباع أملاكُه عليه الصلاة والسلام، ويُضطهد ويُعادَى، ثم يلتفت ويبكي ويقول لـ مكة: {والذي نفسي بيده، إنكِ لَمِن أحب بلاد الله إلي، ولولا أن أهلك أخرجوني ما خرجتُ} فانظر إليه، وقد تربى في مكة، وأولى أن يكون في مكة ومع ذلك يُطرد منها عليه الصلاة والسلام.

لكن سبحان الله! مع الصبر والتحمل في ذات الله عزَّ وجلَّ يدخل بعد ذلك بعشرة آلاف مسلح، ويقول له سبحانه وتعالى: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} [الفتح:١ - ٢] فهل تبجَّح بالفتح عليه الصلاة والسلام؟! هل أزهق الأرواح؟! هل قتل الأنفس صلى الله عليه وسلم؟! أتدرون ماذا فعل؟ في الصحيح: أنه {نكَّس رأسه عليه الصلاة والسلام حتى إن عثنونه ليكاد يمس واسطة الرحل تواضعاً لله، ودمعت عيناه} ودخل عليه الصلاة والسلام طائعاً خاشعاً، ويتقدم كفار قريش الذين أخرجوه، قال: {ما ترون أني فاعلٌ بكم؟ -يقول: أخرجتموني وحاربتموني وضربتم بناتي وأهنتموني وكذبتموني وآذيتموني فماذا ترون؟ ما هو الجزاء؟ - قالوا: أخٌ كريمٌ وابن أخٍ كريم -سبحان الله ما أحسن العقل! - قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء} فلذلك اكتسب عليه الصلاة والسلام بهذا النصر تاريخاً مجيداً سوف يبقى إلى قيام الساعة.

<<  <  ج:
ص:  >  >>