للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[ربعي يمثل المسسلمين]

وقصة ربعي تتكرر كثيراً، وهي قصة لا تمل.

كرر العلم يا جميل المحيا وتدبره فالمكرر أحلى

فهي كلما كررت كانت هي وأمثالها دروساً لا تنسى للأمة.

فهذا رستم قائد كسرى أنوشروان يرسل في القادسية إلى سعد بن أبي وقاص، خال رسول صلى الله عليه وسلم، وسعد هو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وهو الذي دمر إمبراطورية كسرى، وداس جماجم الطغاة بقدميه رضي الله عنه وأرضاه، وسعد هو الذي قال له صلى الله عليه وسلم: {اللهم أجب دعوته وسدد رميته} وهو الذي يقول عنه: علي رضي الله عنه وأرضاه كما في البخاري [[ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفدي أحداً بأبيه وأمه إلا سعد بن أبي وقاص، فإنه كان يقول له يوم أحد: {ارم سعد فداك أبي وأمي}]] وهذه القصة في سير أعلام النبلاء في ترجمة سعد.

ولما حضرته الوفاة بكت ابنته عائشة فقال: [[ابكي أو لا تبكي؛ فوالله الذي لا إله إلا هو! إني من أهل الجنة]] قال الذهبي معلقاً: صدقت وهنيئاً لك، ونشهد بالله أنه من أهل الجنة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم شهد له بالجنة، وكان يقول: {يا رسول الله! ادع الله أن أكون مجاب الدعوة، قال: يا سعد! أطب مطعمك تستجب دعوتك} فالسبب العظيم هو إطابة المطعم، فلا يأكل ربا، ولا رشوة، ولا غشاً، ولا حيلة، فيكون نظيف المدخل والمخرج والملبس، فأطاب مطعمه فأجاب الله دعوته.

ولذلك لا بأس أن نسترسل مع سعد وأمثاله الأخيار، في كتاب الصلاة من صحيح البخاري يقول: باب هل يسمى مسجد بني فلان.

أي: هل لك أن تسمي المسجد بآل فلان؟ ثم أتى بالحديث الذي يقول: سابق الرسول صلى الله عليه وسلم بين الخيل التي ضمرت والتي لم تضمر، وكانت الخيل التي لم تضمر إلى مسجد بني زريق، ثم أتى بحديث سعد، أنه رضي الله عنه وأرضاه كان أميراً على أهل الكوفة من قبل عمر، وأهل الكوفة قومٌ مشاغبون، وقومٌ إرهابيون، وثوار دائماً، ينقمون على كل أميرٍ لهم ولو كان من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

اختار عمر رضي الله عنه وأرضاه سعد بن أبي وقاص الأمير المؤتمن، فشكوه في كل شيء حتى في الصلاة، وفي مسند أحمد أنهم شكوه وقالوا: إنه لا يجيد أن يصلي، فيقول سعد: يا عجباً لبني أسد فوالله الذي لا إله إلا هو إني أدخلتهم الإسلام بسيفي هذا وأصبحوا يعيرونني أني لا أحسن الصلاة؟!! فأرسل عمر، محمد بن مسلمة ومعه أحد الصحابة، وقال: [[سل أهل الكوفة ماذا ينقمون على سعد]] فذهبوا من مسجدٍ إلى مسجد ليسألون عن عدل سعد، وعن صدقه ووفائه، وعبادته، فكلهم يثني خيراً.

حتى وصلوا إلى مسجد بني عبس، وهذا الشاهد من القصة للبخاري فدخلوا المسجد فسألوا عنه فأثنوا خيراً إلا شيخاً أضله الله على علم، قام وقال: أما إن سألتم عن سعد بن أبي وقاص فوالله إنه لا يقسم بالسوية، ولا يعدل في القضية، ولا يخرج مع السرية، فقال سعد وهو جالس: [[اللهم إن كان قام رياءً وسمعة فأطل عمره وأطل فقره وعرضه للفتن]] فطال عمره وطال فقره، قال عبد الملك أحد رجال البخاري في السند: فوالله الذي لا إله إلا هو، لقد رأيته في السكك وهو شيخٌ كبير سقط حاجباه على عينه يتعرض للبنات يغمزهن ويقول: شيخٌ مفتون أصابتني دعوة سعد.

الشاهد أن سعداً أرسل ربعي بن عامر إلى رستم ليفاوضه فأتى ربعي إلى رستم في القصة المعروفة التي اشتهرت وتكررت كثيراً، فقال رستم: ماذا خرج بكم؟ هل انتهت عليكم النفقة؟ لأن كسرى كان ينفق على العرب البدو، وكان يعطيهم نفقة، فيكفون أذاهم في الجزيرة، قال: انتهت عليكم النفقة وتأخرت عليكم فتريدون قتالنا؟ سوف نعطيكم النفقة وعودوا من حيث جئتم، فقال ربعي: [[لا.

إن الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام]].

وبعد ثلاثة أيام أو أربعة دخل سعد المدائن باثنين وثلاثين ألفاً من الجيش ودكدك الذين كفروا: {فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام:٤٥] لما رأى سعد رضي الله عنه وأرضاه حصون وقصور كسرى قال: {كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ * فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ} [الدخان:٢٥ - ٢٩].

<<  <  ج:
ص:  >  >>