للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[الصبر على الابتلاء]

ومن خصائصهم: أنهم أعظم الناس صبراً على أقوالهم ومعتقداتهم.

وسأل قيصر -ويُسمى هرقل كما في صحيح البخاري -: أبا سفيان عمن أسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم: هل يرجع أحدهم عن دينه سخطة له بعد أن يدخل فيه؟

قال: لا.

قال: وكذلك الإيمان إذا خالط بشاشته القلوب لا يسخطه أحد.

هؤلاء أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، لا يرجعون عن معتقداتهم ومبادئهم ولو قُطِّعت رُءُوسهم، مبدؤهم ثابت، وكلامهم ثابت، وشجاعتهم متواردة؛ لأنهم يعلمون أنهم على الحق، ويقيس الإنسان نفسه بهذا؛ لأنه يوجد من بعض الناس لو خاف من شيء فعل كل شيء من أجل بقائه، لو أتى خَوفٌ وحُذِّر الناس من صلاة الجماعة، والله لا ترى أحداً يصلي إلا القليل، وتُترك المساجد بلاقع، فيقول أحدهم: أيطير رأسي من أجل صلاة الجماعة؟!

وبعضهم -في بعض الحوادث- قد يحلق لحيته حتى لا يُعد من المتطرفين، ويسبل ثوبه، ويسمع الغناء، ويدَّعي أنه داشر من أجل أن يبقى رأسه، ولكن الرسول ربَّى جيلاً من الناس، فيسحب بلال على الرمضاء فيقولون له: عد عد، فيقول: أحد أحد، من هو (أحد أحد)؟ إنه الذي على العرش استوى، وتقطع اللحوم منهم ويبقى الواحد منهم صابراًِ محتسباً لا يحوله عن دينه شيء.

قال أبو بكر لما أرسل إلى بني حنيفة خطاباً هائلاً يقول: [[والله! لأذهبن عنكم وساوس الشيطان بـ خالد بن الوليد، والله! لأحاربنكم بأناس -الموت إليهم أحب من الحياة- يحبون الموت كما تحبون الحياة]] فأطلق عليهم خالداً، وتلكم النخبة المثقفة التي تثقفت بإياك نعبد وإياك نستعين، فذبحوا بني حنيفة ذبحاً.

قال شيخ الإسلام في نقض المنطق (٤٢،٤٣) وفي الفتاوى (٤/ ٥٠،٥١): أما أهل السنة والحديث فما يعلم من أحد من علمائهم ولا صالح عامتهم أنه رجع قط عن قوله واعتقاده، بل هم أعظم الناس صبراً على ذلك، وإن امتحنوا بأنواع المحن، وفتنوا بأنواع الفتن، وتعرضوا لأعظم الشدائد والكربات فلا زالوا يثبتون.

قال مالك: "لا تغبطوا أحداً لم يصبه في هذا الأمر بلاء".

والمعنى: لا تفرحوا لأحد عاش معافى ولم يصبه بلاء، أي: افرحوا لمن أصابه بلاء وفتنة في هذا الدين؛ فإنه إن شاء الله بمنزلته وحبه عند الواحد الأحد.

إن من خصائص أهل السنة أنهم يصبرون على أقوالهم ومعتقداتهم ولا يرجعون عنها ولا يستسلمون للباطل مهما كان، والله يقول: {الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [العنكبوت:١ - ٣] وقال سبحانه: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة:٢٤] وقال تعالى: {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر:١ - ٣].

<<  <  ج:
ص:  >  >>