للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[بناء البيت]

ما زلنا في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم والذكريات الأولى قبل البعثة، وما زلنا في سن شبابه صلى الله عليه وسلم.

قال: ولما بلغ سنه عليه الصلاة والسلام خمساً وثلاثين سنة جاء سيل جارف، فصدع جدارن الكعبة, هدمها من كل ناحية، وهي كانت رضيمة من الحجارة قامة الإنسان فقط, وبناء إبراهيم كان زائداً اختصروا النباء لأنهم قلَّت بهم النفقة.

فما استطاعت قريش أن تبني على المكان الذي بنيت عليه الكعبة، فاختصروا الكعبة اختصاراً مشيناً, فلما هدمت الكعبة وقع الحجر الأسود بعيداً, والحجر الأسود نزل من الجنة أبيض كاللبن, فسودته خطايا بني آدم, ولا يستلمه مسلم بصدق إلا أنطقه الله بلسان يوم القيامة، كما في الأثر الصحيح، وله عينان يشهد لمن استلمه بحق يوم العرض الأكبر, وهو خرج من ياقوتة بيضاء من الجنة, وتجده أملس, ولعلكم يوم تقبلونه تجدون فيه ضروب ثلاثة, هذه الضروب الثلاثة، ضربها أبو جناب القرمطي عليه لعنة الله, كان عنده دبوس من حديد، وأتى بالحرس وقتل الحُجاج في الحرم وقال:

أنا بالله وبالله أنا يخلق الخلق وأفنيهم أنا

ثم أخذ الحجر الأسود فضربه ثلاث ضربات بالدبوس، كالفأس, فشج الحجر الأسود, ثم اقتلع الحجر الأسود وحمله إلى القطيف , جهة الأحساء وبقي وجلس هناك فترة, والعجيب أنه لما حمله، كان الجمل الأول يموت, فأعطاه جملاً ثانياً فمات في الطريق, إلى أن مات سبعمائة جمل, ولما ردوه كفاه جمل واحد حتى رجع.

المقصود: هدمت الكعبة، فأتوا يبنونها, فلما أتوا إلى الحجر الأسود، أتت بنو هاشم أسرة الرسول صلى الله عليه وسلم, فسلوا السيوف في الصباح، وقالوا: والله لا يرفع الحجر الأسود إلى مكانه إلا بنو هاشم, من هي أشرف أسرة في الكرة الأرضية؟

بنو هاشم, لا يوجد أشرف منهم في العرب, لا العرب ولا العجم ولا الترك ولا البربر, فأتوا جميعهم وكانوا ما يقارب مائة رجل، فتعاقدوا على ألاَّ يرفع الحجر الأسود إلا هم, فأتى بنو أمية بنو العمومة وهم ما يقارب مائة رجل، وقالوا: لا يرفع الحجر إلا نحن, وأتت بنو زهرة وبنو سهم حتى اجتمعت الأسر، كلها في طرف الحرم, تعاقدوا وتعاهدوا لا يرفع الحجر إلا هم, وفي الأخير أتى بنو هاشم بصحفة رحراح، من أعواد فملئوها دم ناقة، قالوا: ضعوا أيمانكم نتعاهد ونتعاقد على الموت، لا يرفع الحجر إلا نحن, لأن المسألة فيها خطورة؛ لأن هذا يسمى مصيراً ومستقبلاً, فقام أمية بن المغيرة عم خالد بن الوليد وكان شيخاً في الثمانين, وقال: يا معشر قريش! خفضوا أصواتكم, فخفضوا أصواتهم, قال: ضعوا سيوفكم, فوضعوها, قال: أترضون أن نحتكم إلى أول من يدخل من باب بني شيبة؟ قالوا: رضينا, قال: أول من يدخل من الناس نحتكم إليه, وما هي إلا لحظات، وإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليهم, والرسالة لم تنزل عليه آنذاك, وكان عمره آنذاك خمساً وثلاثين سنة, وكان أجمل الناس! كان وجهه كالقمر!

لو لم تكن فيه آيات مبينة لكان منظره ينبيك بالخبر

فشق الصفوف، والسيوف على الأرض، والناس تقطر عيونهم دماً أحمراً ينتظرون الموت, فقال: ماذا؟ فأخبروه الخبر, فأخذ رداءه الشريف عليه الصلاة والسلام، ووضعه في الأرض، وأخذ الحجر الأسود فوضعه على الرداء, وقال: ليقم بنو هاشم بهذا الطرف, وبنو زهرة هنا, وبنو أمية وبنو تميم وبنو كعب حتى عدَّد بطون مكة , فقام واحد من كل أسرة، فرفعوا الحجر حتى حاذوا به مكانه، فأخذه صلى الله عليه وسلم فرده مكانه, لأن الله لا يريد أن يرد الحجر الأسود إلا باليد الشريفة التي لم تلطخ بدم ولم تسرق ولم تخن, فوضعه عليه الصلاة والسلام, وتم البناء, وهذه قصة الحجر، قال سبحانه: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً} [آل عمران:٩٦ - ٩٧].

<<  <  ج:
ص:  >  >>