للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ أي: لا يشفع شافع عنده إلا إذا إذن له، وهذا تذكير بكمال عزته وكبريائه، وإذا كان كذلك فكيف يتوهم الجاحدون ألا ينزل وحيا، وألا يطالب عباده بتكليف. ذلِكُمُ العظيم الموصوف بما تقدم اللَّهُ رَبُّكُمْ وإذ كان ربكم فإنه سيأمركم وينهاكم عن طريق الوحي. فَاعْبُدُوهُ أي أفردوه بالعبادة وحده لا شريك له، فهو الذي يستحق العبادة لا غيره من إنسان أو ملك، أو طبقة، فضلا عن غير ذلك من معنى أو جماد. وإذ كان هو المستحق للعبادة التي يدخل فيها معرفته وطاعته، والقيام بوظائف العبودية له، فكيف الطريق إلى ذلك إلا بواسطة الوحي.

أَفَلا تَذَكَّرُونَ أي أيها الجاحدون إنزال الوحي وإرسال الرسل، وأيها المشركون به غيره، ألا تتدبرون فتستدلون بوجود هذا الخلق على الخالق، وتعرفون بذلك صفاته، وتتذكرون أن من هذا شأنه لا يترك عباده بلا وحي وأمر ونهي، وثواب وعقاب، وهكذا، وبآية واحدة هدم الشبهة الأولى التي تحول دون الإيمان بهذا القرآن، وهي شبهة من يستبعد أصلا أن ينزل الله وحيا.

[فوائد]

١ - قال ابن كثير، وقال الدراوردي عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة أنه قال حين نزلت هذه الآية إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ الآية لقيهم ركب عظيم لا يرون إلا أنهم من العرب. فقالوا لهم: من أنتم؟ قالوا: من الجن، خرجنا من المدينة، أخرجتنا هذه الآية. رواه ابن أبي حاتم.

٢ - رأينا أن السورة بعد مقدمتها عرضت لشبهة وردتها، ولنتساءل الآن عن مظنة وجود هذه الشبهة في الفكر العالمي؟.

نقول: إن من درس تاريخ الفلسفة يجد أن هذه الشبهة تكاد تكون أحد أركان الفكر الفلسفي في العالم، فمنذ أريسطو- بل من قبله حتى الآن- تجد الفكر الفلسفي- بما في ذلك الفكر الذي يثبت وجود الله- يعتقد أن الله لا يتدخل في شئون خلقه، بل كان أريسطو يتصور أن الله منصرف عن خلقه أصلا، لا يعنيه من أمورهم شيئا، فهو مشغول بكونه سعيدا- تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا- ومن درس وضع العالم المعاصر يجد أن أكثر الخلق هذا شأنهم، فأكثر المجتمعات، وأكثر المفكرين، لا ينكرون وجود الله، ولكن إيمانهم بوجوده يرافقه عدم استعداد للتلقي عنه، أو على الأصح استغراب أن ينزل وحيه، وأن يكون وحيه ملزما وموجها، وخذ مثلا أمريكا،

<<  <  ج: ص:  >  >>