للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

٤ - لقد قلنا: إن هذين المقطعين من آل عمران يفصلان في مقدمة سورة البقرة، ففي هذين المقطعين أوضح الله- عزّ وجل- أن إنزال الكتب أثر عن ألوهيته وقيوميته، وأوضح بعض خصائص هذا القرآن، وكيف ينبغي أن يكون الموقف الصحيح منه، وأوضح أن على الإنسان أن يستسلم لله فيه، وأن يطيع، وأن يتابع، وعرض ما يقابل ذلك، وما يلازمه، وما يترتب عليه، والمواقف المقابلة، والمشاعر المساعدة، والأقوال التي ينبغي أن يقولها أهل الإيمان لغيرهم مما مر معنا.

وإذا كان المقطعان السابقان اللذان يشكلان القسم الأول قد فصلا على الأخص في قوله تعالى: الم ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ وما يقابل ذلك من الكفر، فإن القسم الثاني الذي سيأتي معنا يقدم لنا صفحة من صفحات الإيمان بالغيب المذكور في مقدمة سورة البقرة الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وما يقابل ذلك من كفر الكافرين، أو ضلال الضالين، ومناقشة هؤلاء في ضلالهم. وكنا ذكرنا في تفسير مقدمة سورة البقرة أن قوله تعالى وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ إنما هو تفصيل لبعض ما أجمل في قوله تعالى الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وهاهنا نجد مصداق ذلك.

[كلمة في السياق]

صحح القسم الأول مفاهيم كثيرة، وأعطى تعليمات كثيرة، ووضع الأمور في نصابها في أمور كثيرة: وعرفنا على الله- جل جلاله، وصحح في هذا أخطاء وقع فيها العقل البشري، ومن أخطر ما وقع به العقل البشري من أخطاء، تصوره أن الله- عزّ وجل- لا يتدخل في شئون خلقه سلبا أو إيجابا، وهي الفكرة التي استقرت على الصيغة التي تعبر عن نفسها بمبدإ فصل الدين عن الدولة.

إن معرفتنا بوحدانية الله وقيوميته تنسف هذه الفكرة وأمثالها من الأساس. لقد عرفنا الله أنه أنزل كتبا، وأنه هو الذي أنزل القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم وأنه امتحن خلقه بأن جعل القرآن محكما ومتشابها، وذلك من مظاهر عزته وحكمته، وأن النجاح في هذا الامتحان يظهر باتباع المحكم، وبالتسليم لله بالمتشابه.

وعرفنا القسم أن الله لا يقبل دينا إلا الإسلام، وأن من عقيدة المسلم أن يعرف الله أنه مالك الملك، وأنه الرزاق، وأنه العليم، وأن محبته طريقها متابعة محمد صلى الله عليه وسلم وأن على

<<  <  ج: ص:  >  >>