للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

- كما أسلفنا- أشد شعورا وحساسية بوطأة المجتمع وتصوراته. ولكن هذه المرأة ...

وحدها ... في وسط ضغط المجتمع، وضغط القصر، وضغط الملك، وضغط الحاشية، والمقام الملوكي ... في وسط هذا كله رفعت رأسها إلى السماء ...

وحدها ... في خضم هذا الكفر الطاغي!

وهي نموذج عال في التجرد لله من كل هذه المؤثرات، وكل هذه الأواصر، وكل هذه المعوقات، وكل هذه الهواتف. ومن ثم استحقت هذه الإشارة في كتاب الله الخالد. الذي تتردد كلماته في جنبات الكون وهي تتنزل من الملأ الأعلى).

(وإفراد امرأة فرعون بالذكر هنا مع مريم ابنة عمران يدل على المكانة العالية التي جعلتها قرينة مريم في الذكر. بسبب ملابسات حياتها التي أشرنا إليها ... وهما الاثنتان نموذجان للمرأة المتطهرة المؤمنة المصدقة القانتة يضربهما الله لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم بمناسبة الحادث الذي نزلت فيه آيات صدر السورة، ويضربهما للمؤمنات من بعد في كل جيل).

[كلمة أخيرة في سورة التحريم]

بدأت سورة التحريم بعتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على تحريم ما أحل الله عز وجل، ثم ثنت بعتابه زوجيته على التظاهر عليه وإفشاء سره، ثم جاء الأمر العام لأهل الإيمان بوقاية الأنفس والأهلين من النار، ومن سياق السورة نفهم أن عملية الوقاية تقتضي عدم الرضوخ لرغبات الزوجات، وتقتضي تأديب الزوجات، وحمل الأنفس والأهل على الطاعة الكاملة، ثم جاء الأمر لكل المؤمنين بالتوبة النصوح، كبداية طريق إلى الجنة، ثم جاء أمر للنبي صلى الله عليه وسلم بالجهاد، مما يشير في سياق السورة إلى أن أدب المسلم الجهاد الدائم، وذلك يقتضي منه عدم الرضوخ لأي معنى يصرفه عن هذا الجهاد، سواء كان مانعا أسريا أو غيره، كما أن مجئ هذا الأمر في هذا السياق يشير إلى أن كل من تحقق بصفة الكفر أو النفاق فقد وجبت مجاهدته كائنا من كان قريبا أو بعيدا، ثم ضرب الله مثلين لامرأتين كافرتين لم ينجهما كونهما تحت رسولين من العذاب، وضرب مثلين لامرأتين صالحتين إحداهما كانت زوجة كافر لم يضرها كفره عند الله، والثانية لم تتزوج أصلا، وكانت في القمة من الصلاح والولاية، وفي ذلك درس لزوجات رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكل مؤمنة في هذا العالم.

...

<<  <  ج: ص:  >  >>