للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

بعيب ولا نقيصة، وأن المرء إنما يعاب بسوء فعله، ويعاقب على ما اجترمت يداه، لا على ما وجد من أصله وفرعه).

...

نقل: [عن صاحب الظلال حول ورود قصة إبراهيم عليه السلام في السورة]

قال صاحب الظلال في الجزء الأخير الذي مرّ معنا من قصة إبراهيم عليه السّلام:

(هذا إبراهيم الشيخ. المقطوع من الأهل والقرابة. المهاجر من الأرض والوطن.

ها هو ذا يرزق في كبرته وهرمه بغلام. طالما تطلّع إليه. فلما جاءه جاء غلاما ممتازا يشهد له ربه بأنه حليم. وها هو ذا ما يكاد يأنس به، وصباه يتفتّح، ويبلغ معه السعي، ويرافقه في الحياة. ها هو ذا ما يكاد يأنس ويستروح بهذا الغلام الوحيد، حتى يرى في منامه أنه يذبحه. ويدرك أنها إشارة من ربه بالتضحية. فماذا؟ إنه لا يتردد، ولا يخالجه إلا شعور الطاعة، ولا يخطر له إلا خاطر التسليم .. نعم إنها إشارة. مجرد إشارة. وليست وحيا صريحا، ولا أمرا مباشرا. ولكنها إشارة من ربه ..

وهذا يكفي .. هذا يكفي ليلبي ويستجيب. ودون أن يعترض. ودون أن يسأل ربه .. لماذا يا ربي أذبح ابني الوحيد؟!

ولكنه لا يلبي في انزعاج، ولا يستسلم في جزع، ولا يطيع في اضطراب ..

كلا إنما هو القبول والرضى والطمأنينة والهدوء. يبدو ذلك في كلماته لابنه وهو يعرض عليه الأمر الهائل في هدوء وفي اطمئنان عجيب: قالَ: يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ. فَانْظُرْ ماذا تَرى.

فهي كلمات المالك لأعصابه، المطمئن للأمر الذي يواجهه، الواثق بأنه يؤدي واجبه. وهي في الوقت ذاته كلمات المؤمن، الذي لا يهوله الأمر فيؤديه في اندفاع وعجلة ليخلص منه وينتهي، ويستريح من ثقله على أعصابه!

والأمر شاق- ما في ذلك شك- فهو لا يطلب إليه أن يرسل بابنه الوحيد إلى معركة. ولا يطلب إليه أن يكلفه أمرا تنتهي به حياته .. إنما يطلب إليه أن يتولى هو بيده. يتولى ماذا؟ يتولى ذبحه .. وهو- مع هذا- يتلقّى الأمر هذا التلقي، ويعرض على ابنه هذا العرض؛ ويطلب إليه أن يتروى في أمره، وأن يرى فيه رأيه!

إنه لا يأخذ ابنه على غرّة لينفذ إشارة ربه. وينتهي. إنما يعرض الأمر عليه كالذي

<<  <  ج: ص:  >  >>