للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وهذا ما يفسر سر انتصار المسلمين الأولين؛ لأن شعارهم كان {قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ} (١) النصر أو الشهادة.

- ولأن المسلمين كانوا يحرصون على الموت حرص غيرهم على الحياة الذين {قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} (٢) {فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ} (٣).

وأشهد أنني لم أقرأ، حتى في كتب التعبية وسوق الجيش، الصادرة في القرن العشرين، أوضح تعبيرا وأدق تعريفا وأكثر شمولا، مما جاء في القرآن الكريم في هذه الآية الكريمة تعريفا للمجاهد الصلب المقاتل الرهيب.

بل لا يقتصر معناها على المجاهد المثالي وحده، بل يشمل تعريف المعنويات العالية أيضا، تلك هي عظمة القرآن الكريم حتى في المجالات العسكرية ولكن يا ليت قومي يعلمون.

إن دور المسجد لا يقتصر على غرس هذه المثل العليا العسكرية في عقل المسلم الحق ونفسه، بل إن روح المسجد الذي يتسم بذكر الله يجعل القلوب تطمئن والنفوس تهدأ اتجاها إلى العمل الصالح خدمة للإسلام.

كما أن صلاة الجماعة تدريب عملي على الضبط والربط والنظام.

لقد بدأت منذ ظهور الإسلام الصلاة العامة، ثم قامت صلاة الجماعة التي أداها المسلمون وراء إمام واحد. وهذه الإمامة يقوم بها رجل واحد يؤم المصلين جميعا، ينفذون ما ينفذ تماما، يقوم بها رجل مطهر يؤمن أصحابه بصدقه، هي تطبيق للقيادة في إصدار أوامرها وتنفيذها من الجنود.

ومن يرى المسلمين وهم مجتمعون صفوفا للصلاة يؤدون ركعاتها وسجداتها في تناسق مدهش وفي نظام ووقار لا يمكن أن يغفل ما لهذه الصلاة المنظمة من قيمة تربوية عسكرية في نفوس المسلمين.

...

- إن العرب والأعراب أباة لا يخضعون لمشيئة خارجية، ولكنهم كانوا يفتقرون إلى الشعور التام بالطاعة والنظام، فكانت لهذه الصلاة أهمية بالغة في (إيقاظ) روح


(١) سورة التوبة الآية ٥٢
(٢) سورة آل عمران الآية ١٧٣
(٣) سورة آل عمران الآية ١٧٤