للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[الحضارة الغربية وموقفها من الإنسانية]

في هذه الفترة الحرجة التي تمر بها البشرية - الفترة التي يصل فيها الفزع إلى غايته، والقلق إلى أقصاه - يبدو واضحا إلى أي مدى تخبطت البشرية حين ابتعدت عن الله وعن منهجه للحياة.

لقد تخبطت البشرية ما بين عبادة العقل وعبادة المادة وعبادة الحتمية التاريخية، والحتمية الاقتصادية، والحتمية الاجتماعية، إلى آخر هذه الآلهة المزعومة التي يعبدها الناس في هذا الجهل ليهربوا بها من عبادة الله، فكانت الشعوذة التي تفسد الأعصاب والنفوس، وكان العذاب الذي يمس الأفراد والجماعات، وكان الفزع الدائم من الدمار الرهيب (١).

لقد حققت الحضارة الغربية المعجزات في عالم الاكتشافات وعالم العلوم، ولكنها فقدت في أعماق نفسها البعد الذي كان يروح عليها ويرفه عنها ويسندها في وقت المحن؛ لأنه يربطها بوجود الله، فقد قادت العالم إلى حربين شاملتين خلال ربع قرن، كما قادته إلى انقسام بين الكتلتين الشرقية والغربية، وإلى تهديد دائم بحرب ثالثة، وإلى اضطرابات في كل مكان وإلى جوع وعري وبؤس في ثلاثة أرباع المعمورة، وأن النظام العالمي كله اليوم في حالة ذعر واضطراب وبحث عن أسس جديدة وتنقيب عن زاد روحي يرد الإنسانية إلى ثقتها بالمبادئ الإنسانية (٢).

إن حضارة القرن العشرين قد أفقدت وأتلفت قداسة الوجود في النفوس وفي الثقافة، وفي الضمائر لقد أتلفت القداسة لأنها اعتبرتها شيئا تافها لا حاجة


(١) مالك بن نبي، دور المسلم ورسالته في الثلث الأخير من القرن العشرين. الدار العلمية ١٩٧٤ م، ص ٤٠.
(٢) مالك بن نبي، دور المسلم ورسالته في الثلث الأخير من القرن العشرين. الدار العلمية ١٩٧٤ م، ص ٢٤.