للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

السابع من مسالك الاستدلال على إبطال التحليل (١):

قوله تعالى: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا} (٢).

فقد روى ابن ماجه وابن بطة بإسناد جيد، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ما بال أقوام يلعبون بحدود الله ويستهزءون بآياته؛ طلقتك راجعتك؛ طلقتك راجعتك (٣)».

وجه الدلالة أن الله سبحانه حرم على الرجل أن يرتجع المرأة يقصد بذلك مضارتها بأن يطلقها، ثم يمهلها حتى تشارف انقضاء العدة، ثم يرتجعها ثم يطلقها قبل جماع أو بعده، ويمهلها حتى تشارف انقضاء العدة، ثم يرتجعها ثم يطلقها فتصير العدة تسعة أشهر، هكذا فسره عامة العلماء من الصحابة والتابعين، وجاء فيه حديث مسند.

ومعلوم أن هذا الفعل لو وقع اتفاقا غير قصد منه بأن يرتجعها راغبا فيها ثم يبدو له فيطلقها، ثم يبدو له فيرتجعها راغبا، ثم يبدو له فيطلقها لم يحرم ذلك عليه، لكن لما فعله لا للرغبة، لكن لمقصود آخر وهو أن يطلقها بعد ذلك؛ ليطيل العدة عليها، حرم ذلك عليه، وتطويل العدة هنا لما يحرم؛ لأنه في نفسه ضرر؛ فإنه لو كان كذلك لحرم، وإن لم يقصد الضرر كالطلاق في الحيض أو بعد الوطء قبل أن يتبين له أنها حامل، وإنما حرم لأنه قصد الضرر، فالضرر هنا إنما حصل بأن قصد بالعقد فرقة توجب ضررا لو حصل بغير قصد إليه لم يكن سببه حراما، كما أن المحلل قصد بالعقد فرقة توجب تحليلا لو حصل بغير قصد لم يكن سببه حراما.

فإما أن يكون القصد لغير مقصود العقد محرما للعقد أو لا يكون، فإن لم يكن محرما للعقد والفعل المقصود هنا وهو الطلاق الموجب للعدة ليس محرما في نفسه، فيجب أن يكون صحيحا على أصل من يعتبر ذلك، وهو خلاف القرآن، وإن كان محرما للعقد فيجب أن يكون نكاح المحلل باطلا.


(١) الفتاوى الكبرى ص٢١١ وما بعدها جـ٣.
(٢) سورة البقرة الآية ٢٣١
(٣) سنن ابن ماجه الطلاق (٢٠١٧).