للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

رأى من بوادر نبوغه وإقباله وحرصه على العلم وهو صغير، وحفظ القرآن الكريم وقرأه على جماعة من أئمة القراء.

وسر نجاح ابن الجوزي يكمن في قوة بديهته، وسرعة بادرته، وحضور ذهنه، ونوادر أجوبته، مع كثرة محفوظه وسعة روايته (١).

ولقد انقطع ابن الجوزي للدرس ومجالس العلم وترك ما كان أترابه يلهون به من اللعب؛ للتوفر على الحفظ، والتوغل في طريق علوم زمانه وثقافته " وكان لا يخرج من بيته إلا للجمعة ولا يلعب مع الصبيان " (٢).

وهكذا درج ابن الجوزي منذ صغره يحب العلم، ويشغف بالتحصيل في فنون العلم، وقد تحدث ابن الجوزي في كتابه " لفتة الكبد " فقال:

" كان الصبيان ينزلون إلى دجلة ويتفرجون وأنا في زمن الصبا آخذ جزءا، أقعد حجرة من الناس إلى جانب الرقة فأتشاغل بالعلم " (٣).

وكانت بغداد مشرقة زاهرة بعلومها وفنونها زاخرة بالعلم والعلماء، فنهل ابن الجوزي من هذا المنهل الفياض الذي لا يغيض، دفعه إلى ذلك حبه للعلم وولوعه به، وتحدث هو عن نفسه في كتابه " صيد الخاطر " فقال: فأقول عن نفسي وما يلزمني حال غيري: إنني رجل حبب إلي العلم من زمن الطفولة فتشاغلت به، ثم لم يحبب إلي فن واحد منه، بل فنونه، ثم لا تقتصر همتي في فن على بعضه، بل أروم استقصاءه والزمان لا يسع، والعمر أضيق والشوق يقوى، والعجز يقعد، فيبقى وقوف بعض المطلوبات حسرات " (٤).

وقد أخذ ابن الجوزي العلم عن خاله الشيخ أبي الفضل أكثر من ثلاثين سنة، وكذلك أخذ الحديث والوعظ على يد الشيخ الزاغوني، وأخذ


(١) مقدمة صيد الخاطر ص ١٦.
(٢) البداية والنهاية جـ ١٣ ص ٢٩.
(٣) لفته الكبد ص ٨١.
(٤) صيد الخاطر ص ٦٢.