للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

فأمتنا ليست مثل أهل الكتاب الذين لا يحفظون كتبهم في قلوبهم، بل لو عدمت المصاحف كلها، كان القرآن محفوظا في قلوب الأمة، وبهذا الاعتبار فالمسلمون أمة أمية بعد نزول القرآن وحفظه، كما في الصحيح عن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أنه قال: «إنا أمة أمية: لا نحسب ولا نكتب، الشهر هكذا وهكذا (١)»، فلم يقل: إنا لا نقرأ كتابا ولا نحفظ، بل قال: لا نكتب ولا نحسب فديننا لا يحتاج أن يكتب ويحسب، كما عليه أهل الكتاب، من أنهم يعلمون مواقيت صومهم وفطرهم بكتاب وحساب، ودينهم معلق بالكتب، لو عدمت لم يعرفوا دينهم (٢).

قلت: وعدم اعتماد هذه الأمة على الكتابة في حفظ كتابها - كحال الأمم السابقة في حفظ كتبها - يرجع إلى تكفل الله - عز وجل - بحفظ هذا الكتاب، الأمر الذي لم يتكفل به سبحانه لأي كتاب سماوي آخر، قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (٣).

فالكتب السماوية السابقة إنما نزلت لأمد معين ووقت محدد، فإذا انقضى ذلك الأمد أو الوقت، الذي أنزل من أجله كل كتاب من تلكم الكتب، تعرض ذلك الكتاب لما تعرض له سابقوه من الكتب الأخرى، من عوامل الضياع، ومظاهر التلاشي والنسيان، وأصابه - ما أصابها - من النقص والتزيد والحذف والتغيير والتحريف، بما لا يجعله صالحا بعد تلك الفترة التي أنزل لها.


(١) صحيح البخاري الصوم (١٩١٣)، صحيح مسلم الصيام (١٠٨٠)، سنن النسائي الصيام (٢١٤١)، سنن أبو داود الصوم (٢٣١٩)، مسند أحمد بن حنبل (٢/ ١٢٥)، موطأ مالك الصيام (٦٣٤)، سنن الدارمي الصوم (١٦٨٤).
(٢) مجموع فتاوى ابن تيمية ١٧/ ٤٣٥ وما بعدها.
(٣) سورة الحجر الآية ٩