للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

يأكل منه أحبارهم ورهبانهم كما قال ابن العربي. واختاره شيخنا الأستاذ مفتي مصر في الفتوى الترنسفالية فهو تشديد لا مستند له- وفي غير ما أهل به لغير الله- إلا الثقة بأن يكون ما يأكلونه غير محرم عليهم في كتبهم، وقد نسخت شريعتنا كتبهم كما قال الشافعي وغيره فلا عبرة بما حرم عليهم فيها وقد قال الله تعالى في صفات خاتم النبيين: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} (١) ولا يشترط أيضا أن يكون طعامهم موافقا لشريعتنا سواء كانوا مخاطبين بفروعها قبل الإيمان كما يقول الشافعي، أو غير مخاطبين بها إلا بعد الإيمان كما يقول الجمهور، إذ لو كان هذا شرطا لما كان لإباحة طعامهم فائدة.

قال ابن رشد في بداية المجتهد ما نصه: ومن فرق بين ما حرم عليهم من ذلك في أصل شرعهم، وبين ما حرموا على أنفسهم قال ما حرم عليهم هو أمر حق فلا تعمل فيه الذكاة، وما حرموا على أنفسهم أمر باطل فتعمل فيه التذكية. قال القاضي: والحق أن ما حرم عليهم أو حرموه على أنفسهم هو في وقت شريعة الإسلام أمر باطل إذ كانت ناسخة لجميع الشرائع فيجب أن لا يراعى اعتقادهم في ذلك ولا يشترط أيضا أن يكون اعتقادهم في تحليل الذبائح اعتقاد المسلمين ولا اعتقاد شريعتهم لأنه لو اشترط ذلك لما جاز أكل ذبحائهم بوجه من الوجوه لكون اعتقاد شريعتهم في ذلك منسوخا واعتقاد شريعتنا لا يصح منهم، وإنما هذا حكم خصهم الله تعالى به فذبائحهم - والله أعلم- جائزة على الإطلاق وإلا ارتفع حكم آية التحليل جملة. فتأمل هذا فإنه بين والله أعلم. أهـ.

والأمر كما قال القاضي -رحمه الله تعالى- ومراده بذبحائهم مذكاهم كيفما كانت تذكيته عندهم. وقد تقدم تحقيق معنى التذكية وأنها عبارة عن قتل الحيوان بقصد أكله، وأقوال علماء السلف ومحققي المالكية في ذلك، فلله در مالك والمالكية، إن كلامهم في هذه المسألة أظهر من كلام مخالفهم دليلا وأليق بيسر الحنيفية السمحة. ومن العجائب أن كثيرا من الناس يحبون أن تكون الشريعة عسرا لا يسرا. وحرجا لا سعة، وإن هم لم يلتزموها إلا فيما يوافق أهواءهم، فمن شدد على نفسه فذاك ذنب عقابه فيه، ومن شدد على الأمة حثونا التراب في فيه، والله أعلم وأحكم.


(١) سورة الأعراف الآية ١٥٧