للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

في شوال أو في ذي القعدة وعمره بضع وثمانون سنة، وكانت خديجة ماتت قبله بخمسة وثلاثين يوما، وقيل: كان بينهما خمسة وخمسون يوما، وقيل: ثلاثة أيام.

وعظمت المصيبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، بهلاكهما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما نالت قريش مني شيئا أكرهه حتى مات أبو طالب»، وذلك أن قريشا وصلوا من أذاه بعد موت أبي طالب إلى ما لم يكونوا يصلون إليه في حياته، حتى ينثر بعضهم التراب على رأسه، وحتى إن بعضهم يطرح عليه رحم الشاة وهو يصلي، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخرج ذلك على العود ويقول: «أي جوار هذا يا بني عبد مناف»! "، ثم يلقيه بالطريق.

فلما اشتد عليه الأمر بعد وفاة أبي طالب، «خرج ومعه زيد بن حارثة إلى ثقيف يلتمس منهم النصر. فلما انتهى في مدينة الطائف، عمد إلى ثلاثة نفر منهم، وهم يومئذ سادة ثقيف، وهم إخوة ثلاثة: عبد ياليل، ومسعود، وحبيب، بنو عمرو بن عمير، فدعاهم إلى الله، وكلمهم في نصرته على الإسلام والقيام معه على من خالفه، ولكنهم ردوه ردا غير كريم.

وقام النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد يئس من خير ثقيف، وقال لهم: "إن أبيتم فاكتموا علي ذلك»، وكره أن يبلغ قومه خبر إخفاقه، فلم يفعلوا. وأغروا به سفهاءهم، فاجتمعوا إليه وألجؤوه إلى حائط لعتبة وشيبة ابني ربيعة، وهو البستان، وهما فيه. ورجع السفهاء عنه، فجلس إلى ظل نخلة وقال: «اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس! اللهم يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلي بعيد يتجهمني، أو إلى عدو ملكته أمري، إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي ولكن عافيتك هي أوسع. إني أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت به الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، من أن تنزل بي غضبك أو تحل بي سخطك (١)».

وعاد النبي - صلى الله عليه وسلم - أدراجه إلى مكة، وعاد معه زيد الذي كان يلازمه ملازمة


(١) ابن الأثير (٢/ ٩١ - ٩٢)