للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه لذلك، بمنزلة الأميين الذين قال الله فيهم: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ} (١).

ومن أحسن ما قرأت في بيان قوة شيخ الإسلام في هذا الجانب، هو ما كتبه تلميذه أبو حفص البزار، فقد قال - رحمة الله عليه -: (وأما ما خصه الله تعالى به من معارضة أهل البدع في بدعتهم، وأهل الأهواء في أهوائهم، وما ألفه في ذلك من دحض أقوالهم، وتزييف أمثالهم وأشكالهم، وإظهار عوارهم وانتحالهم وتبديد شملهم، وقطع أوصالهم، وأجوبته عن شبههم الشيطانية، ومعارضتهم النفسانية للشريعة الحنيفية المحمدية، بما منحه الله تعالى من البصائر الرحمانية والدلائل النقلية، والتوضيحات العقلية، حتى انكشف قناع الحق، وبان فيما جمعه في ذلك وألفه الكذب من الصدق، حتى لو أن أصحابها أحياء ووفقوا لغير الشقاء، لأذعنوا له بالتصديق ودخلوا في الدين العتيق).

ثم قال: (حدثني غير واحد من العلماء الفضلاء النبلاء الممعنين بالخوض في أقاويل المتكلمين لإصابة الصواب وتمييز القشر من اللباب، أن كلا منهم لم يزل حائرا في تجاذب أقوال الأصوليين ومعقولاتهم، وأنه لم يستقر في قلبه منه قول، ولم يبين له من مضمونها حق، بل رآها كلها موقعة في الحيرة والتضليل، وجلها مذعن بتكافؤ الأدلة والتعليل، وأنه كان خائفا على نفسه، حتى من الله تعالى عليه بمطالعته مؤلفات هذا الإمام أحمد بن تيمية شيخ الإسلام مما أورده من النقليات والعقليات في هذا النظام، فما هو إلا أن وقف عليها وفحصها فرآها موافقة للعقل السليم وعلمها، حتى انجلى ما كان قد غشيه من أحوال المتكلمين من الظلام، وزال عنه ما خاف أن يقع فيه من الشك وظفر بالمرام) (٢).


(١) سورة البقرة الآية ٧٨
(٢) الأعلام العلية، ص / ٣٢ - ٣٣.