للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

أي ما أصدق به. والموصفون بالإيمان ثلاثة نفر: رجل صدق بلسانه دون قلبه كالمنافق، فيقول آمن كما قال الله تعالى في المنافقين: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا} (١)، وقال: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ} (٢) ثم قال: {مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} (٣)؛ لأنهم يؤمنون بالله واليوم الآخر، إنما أراد المنافقين الذين آمنوا بألسنتهم والذين هادوا والنصارى. ولا تقول له مؤمن كما أن لا يقول للمنافقين مؤمنون، وإن قلنا قد آمنوا؛ لأن إيمانهم لم يكن عن عقد ولا نية، وكذلك تقول لعاصي الأنبياء صلى الله عليهم وسلم عصى وغوى، ولا نقول عاص ولا غاو؛ لأن ذنبه لم يكن عن إرهاص ولا عقد كذنوب أعداء الله عز وجل.

ورجل صدق بلسانه وقلبه مع تدنس بالذنوب وتقصير في الطاعات من غير إصرار غير إصرار فنقول: قد آمن وهو مؤمن تناهى عن الكبائر، فإذا لابسها لم يكن في حالة الملابسة مؤمنا (يريد) مستكمل الإيمان، ألا ترى أنه صلى الله عليه وسلم قال: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن (٤)» يريد في وقته ذلك؛ لأنه غير مصر فهو مؤمن تائب. ومما يزيد في وضوح هذا الحديث الآخر: إذا زنى الزاني سلب عنه فإن تاب ألبسه.

ورجل صدق بلسانه وقلبه، وأدى الفرائض واجتنب الكبائر، فذلك المؤمن حقا المستكمل شرائط الإيمان. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لم يؤمن من لم يأمن جاره بوائقه (٥)». يريد ليس بمستكمل الإيمان. وقال: «لم يؤمن من لم يأمن المسلمون من لسانه ويده (٦)». أي ليس بمستكمل الإيمان. . والناس يقولون: فلان لا عقل له، يريدون ليس هو مستكمل العقل، ولا دين له، أي ليس بمستكمل الدين.

أما قوله صلى الله عليه وسلم: «من قال: لا إله إلا الله فهو في الجنة، وإن زنى وإن سرق (٧)»، فإنه لا يخلو من وجهين: أحدهما: أن يكون قاله على العاقبة يريد إن عاقبة


(١) سورة المنافقون الآية ٣
(٢) سورة البقرة الآية ٦٢
(٣) سورة البقرة الآية ٦٢
(٤) صحيح البخاري الحدود (٦٧٧٢)، صحيح مسلم الإيمان (٥٧)، سنن الترمذي الإيمان (٢٦٢٥)، سنن النسائي الأشربة (٥٦٥٩)، سنن أبو داود السنة (٤٦٨٩)، سنن ابن ماجه الفتن (٣٩٣٦)، مسند أحمد بن حنبل (٢/ ٣٨٦)، سنن الدارمي الأشربة (٢١٠٦).
(٥) مسند أحمد بن حنبل (١/ ٣٨٧).
(٦) صحيح البخاري الإيمان (١٠)، صحيح مسلم الإيمان (٤٠)، سنن النسائي الإيمان وشرائعه (٤٩٩٦)، سنن أبو داود الجهاد (٢٤٨١)، مسند أحمد بن حنبل (٢/ ١٩١)، سنن الدارمي الرقاق (٢٧١٦).
(٧) صحيح البخاري الجنائز (١٢٣٧)، صحيح مسلم الإيمان (٩٤)، سنن الترمذي الإيمان (٢٦٤٤)، مسند أحمد بن حنبل (٥/ ١٥٢).