للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

العادلة، وحكمة الله البالغة في المصالح العظيمة من وراء مشروعية الجهاد، التي ستبقى إلى أن تقوم الساعة، كما روى سلمة بن نفيل الكندي رضي الله عنه قال: «كنت جالسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رجل: يا رسول الله، أذال الناس الخيل، ووضعوا السلاح، قالوا: لا جهاد، قد وضعت الحرب أوزارها، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجهه، وقال: كذبوا، الآن جاء القتال، ولا تزال من أمتي أمة يقاتلون على الحق، ويزيغ الله لهم قلوب أقوام، ويرزقهم منهم، حتى تقوم الساعة، وحتى يأتي وعد الله، الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، وهو يوحى إلي: إني مقبوض غير ملبث، وأنتم تتبعوني، ألا فلا يضرب بعضكم رقاب بعض، وعقر دار المؤمنين الشام (١)» رواه النسائي.

وبعد غزوة تبوك - إن صح ما يروى عنه صلى الله عليه وسلم: «عدنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر (٢)» فلعله يعني به مجاهدة النفس والهوى والشيطان، فإن هذه الأمور تحتاج إلى مغالبة كبيرة حتى لا يتزحزح الثبات عن مبدأ الإسلام وحقيقته.

وبعد: فإن مكانة الجهاد عظيمة، ومنزلته رفيعة، كيف لا وقد ورد في فضله أحاديث كثيرة توجب على كل مسلم أن يهتم به. فقد «سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي العمل أفضل؟ قال الصلاة على وقتها. قال: ثم أي؟ قال: بر الوالدين. قال: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله (٣)» ولا يطيق المرء عملا يعدل الجهاد في سبيل الله، لصعوبة ذلك، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله لا يفتر من صيام ولا صدقة حتى يرجع المجاهد إلى أهله (٤)».

وبر الوالدين من الجهاد الذي حث عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم


(١) انظر جامع الأصول ٢: ٥٧٠.
(٢) ضعف هذا القول كثير من أهل العلم منهم ابن القيم رحمه الله.
(٣) مصنف ابن أبي شيبة ٥: ٢٨٦.
(٤) مصنف ابن أبي شيبة: ٥: ٢٨٧.