للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

أرسلك حتى تحسن إلي في موالي، أربعمائة حاسر وثلاثمائة دراع تحصدهم في ليلة واحدة. وقد منعوني من الأحمر والأسود، إني والله لأخشى الدوائر (١).

والدوائر التي كان يخشاها رأس النفاق ليست بالتي تصيب محمدا بأذى كما أراد عبد الله بن أبي أي يفهم عنه الرسول ولكنه كان يعتقد أن اليهود شوكة أليمة في جنب المسلمين، فإذا خلص الجو من نتنهم الوبيئ دارت على النفاق دوائره ورجحت كفة الإسلام، وذلك ما يؤرق ابن أبي ويضنيه، ولو صدقت نواياه نحو المسلمين لأظهر من الغيرة على الحق بعض ما أظهره سعد بن معاذ فيا طول ما بين الرجلين من أبعاد! وما عتم سيد الأوس أن انفجر جرحه فلقي الشهادة مستبشرا فائزا وكان لنعيه دوي عاصف في قلوب المسلمين، فهم يتحسرون على ابن سبع وثلاثين قد اكتملت له أسباب السيادة في ريق العمر وربيع الشباب فرفع قومه وحمى عقيدته وأخلص لدينه وقد وقف الرسول صلى الله عليه وسلم على قبره فتغير وجهه الكريم أسفا ثم كبر ثلاثا فكبر خلفه المسلمون حتى ارتج البقيع، فسئل عن ذلك فقيل يا رسول الله: (رأينا لوجهك تغيرا ثم سبحت)، فقال: «تضايق على صاحبكم قبره وضمه ضمة لو نجا منها أحد لنجا سعد (٢)» ثم قال: «هنيئا لك أبا عمر، جزاك الله خيرا من سيد قوم فقد أنجزت ما وعدت ولينجز الله وعده فيك (٣)» وذهب محمد إلى بيته وإذا جبريل ينتظره ليسأله: «من رجل من أمتك (٤) مات الليلة فاستبشر بموته أهل السماء» لقد كان سيد الأوس والزعيم الشاب سعد بن معاذ.


(١) السيرة النبوية للحافظ ابن كثير جـ ٣ ص ٧ ط ١٩٦٥ م.
(٢) السيرة النبوية للحافظ ابن كثير جـ ٣ عن رواية الإمام أحمد في المسند.
(٣) السيرة النبوية للحافظ ابن كثير جـ ٣ عن رواية الإمام أحمد في المسند.
(٤) السيرة النبوية للحافظ ابن كثير جـ ٣ ص ٢٤٥ عن الشيخين والترمذي.