للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وهذا النوع من الإرجاء يختلف عما سبقه. فالأول الذي تكلم فيه ابن الحنفية إرجاء تفويض أمر المختلفين من الصحابة إلى الله، مع اعتقاد أفضليتهم والشهادة لهم بالإيمان، وليس له أي صلة بالمرجئة فيما بعد.

أما النوع الثاني: وهو الإرجاء الذي تولد من الخوارج فالقائلون به لا يشهدون للصحابة بإيمان ولا كفر وإنما يتوقفون، وهذا بدعة، وهو أصل قول المرجئة في الإيمان كما سيأتي بيانه، ثم إن هذا النوع من الإرجاء قد انقرض؛ إذ أن الإرجاء تحول إلى موضوع الإيمان. فقد سئل سفيان بن عيينة عن الإرجاء فقال: الإرجاء على وجهين: قوم أرجئوا أمر علي وعثمان فقد مضى أولئك، فأما المرجئة اليوم فهم قوم يقولون: الإيمان قول بلا عمل (١).

النوع الثالث: الإرجاء في الإيمان.

وهذا النوع بدأ بإخراج العمل من مسمى الإيمان، وكان هذا زمن التابعين وهو على ثلاثة أنواع. الأول: إرجاء العباد والفقهاء من أهل الكوفة ابتدأ بهم. وموضوعه: إخراج العمل من الإيمان. وهو امتداد للمرجئة الذين انفصلوا عن الخوارج؛ حيث إن مسالة تكفير المسلم هي السبب في ذلك وهي القضية التي كانت موضوع نقاش الناس وخاصة بين الخوارج ومن انفصل منهم من المرجئة أدى هذا النقاش فيما بعد إلى البحث في الإيمان عند هاتين الفرقتين. فرأت كل فرقة أن تجعل قولها في الإيمان مبنيا على قولها في الكبيرة، فقالت الخوارج: إنه جميع الطاعات فمن ترك طاعة واحدة فقد كفر. فقولهم هذا بناء على تكفيرهم مرتكب الكبيرة.

فقابلتهم المرجئة بما يناقضهم؛ فقالوا: مرتكب الذنب مؤمن كامل الإيمان، لكن لا يسلم لهم هذا القول حتى يخرجوا العمل من الإيمان، لذا


(١) تهذيب الآثار للطبري جـ ٢ صـ ٦٥٩.