للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

والتتميم بما يخالف الحكم، فينشأ عن ذلك فتن عظيمة بين العلماء، وطعن أليم على المفتين، ويروي " القرافي " (١) قصة حصل فيها هذا المحذور؛ بسبب إهمال هذا المفتي لهذه الفراغات، وإكمال المستفتي لها بما يخالف حكم المفتي، فيقول " وقد استفتي بعض العلماء المشهورين عن رجل مات وترك أما وأخا لأم، وترك الكاتب في آخر السطر بياضا ثم قال: وابن عم، فكتب المفتي: للأم الثلث، وللأخ لأم السدس، والباقي لابن العم، فلما أخذ المستفتي الفتيا، كتب في ذلك البياض: وأبا، ثم دور الفتيا على الناس بالكوفة، وقال انظروا فلانا كيف حجب الأب بابن العم، فقال له أصحابه: مثله ما يجهل هذا، فقال: هذا خطه شاهد عليه، فوقعت فتنة عظيمة بين فئتين عظيمتين من الفقهاء ".

وأمثال هذه القصة كثير بسبب ما تزين للمستفتي نفسه أن يضيفه حين يجد المجال مفتوحا أمامه للإضافة، ولهذا فإنه ينبغي للمفتي التفطن التام لذلك " فإذا رأى فرجة يمكن أن يكتب فيها شيء، فليملأها بلفظ " صح، صح " ونحوها مما يشغل به تلك الفرجة، وإذا بقيت فرجة في آخر السطر، فليسدها بمثل " والحمد لله " أو " حسبنا الله "، ولينو بها ذكر الله تعالى. . . " (٢).

١٣ - تأدبه في صورة وضع الفتيا، حين يكون قد أفتى في القضية غيره ممن هو أعلى منه منزلة في العلم: ذلك أن في هذا تواضعا، والله يحب من اتصف بهذه الصفة، وفيه احتراما لذوي المنزلة العلمية، واعترافا بفضلهم ومكانتهم.

والتأدب في صورة وضع الفتيا له ناحيتان: ناحية من حيث التلفظ بالفتوى، وناحية من حيث الموضع الذي يكتبها فيه، ولكل من الناحيتين درجات تختلف قربا وبعدا عن التواضع.

وقد أوضح " القرافي " (٣) هذه الدرجات مبينا علل قربها أو بعدها عن التواضع، فقال: " فإن كان الذي تقدمه، في غاية الجلالة، فليقل: " كذلك جوابي " إن كان يعتقد صحة ما قاله من تقدمه، ودون ذلك في التواضع " جوابي كذلك "؛ لأن تقديم لفظ الجواب قبل التشبيه، تقديم لجوابه على جواب من تقدمه الكائن في التشبيه، وإن قال: " كذلك جوابي "، فالإشارة ب " ذلك " الذي دخلت عليه كاف التشبيه، هو جواب من تقدمه، فيكون قد قدم جواب السابق عليه قبل ذكر جوابه، والتقديم تعظيم واهتمام، فهو أدخل في الأدب.

ودون هاتين المرتبتين في التواضع، وأقرب إلى الترفع أن يكتب مثل الجواب بعبارة أخرى، ولا يشبه جوابه بجواب من تقدمه أصلا، وأرفع من ذلك وأبعد عن التواضع، أن يقول: " الجواب صواب " أو " الجواب صحيح " وهذا لا يستعمل إلا لمن يصلح للثاني أن يجيزه في الفتيا أو يزكيه في


(١) المصدر نفسه، والصفحة نفسها.
(٢) ابن فرحون، تبصرة الحكام، ط البهية، سنة ١٣٠٢هـ، ١/ ٢٠٩.
(٣) الأحكام، ص٢٦٤ - ٢٦٥.