للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

إلا يشاركه سبب آخر له، فيكون -وإن سمي علة- مقضية سببية، لا علة تامة، ويكون كل منها شرطا للآخر.

كما أنه ليس في العالم سبب إلا وله مانع يمنعه في الفعل، فكل ما في المخلوق مما يسمى علة أو سببا أو قادرا أو فاعلا أو مؤثرا فله شريك هو له كالشرط، وله معارض هو له مانع وضد، وقد قال سبحانه: {وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ} (١) والزوج يراد به النظير المماثل، والضد المخالف وهذا كثير، فما من مخلوق إلا له شريك وند، والرب -سبحانه- وحده هو الذي لا شريك له ولا ند ولا مثل، ولهذا لا يستحق غيره أن يسمى خالقا ولا ربا مطلقا ونحو ذلك، لأن ذلك يقتضي الاستقلال، والانفراد بالمفعول المصنوع وليس ذلك إلا لله وحده) (٢).

ويستطرد قائلا: (. . ولا يكون في المخلوق علة إلا ما كان مركبا من أمرين فصاعدا، فليس في المخلوقات واحد يصدر عنه علة: فضلا عن أن يقال: الواحد لا يصدر عنه إلا واحد، بل لا يصدر من المخلوق شيء إلا عن اثنين فصاعدا).

وأما الواحد الذي يفعل-وحده- فليس إلا الله، فكما أن الوحدانية واجبة له، لازمة له فالمشاركة واجبة للمخلوق لازمة له والوحدانية مستلزمة للكمال، والاشتراك مستلزم للنقصان) (٣).

فأنت ترى أنه -رحمه الله- قد اعتبر -بكل وضوح- التعليل من دلائل توحيد الربوبية وأعلامها.

ويشير شيخ الإسلام إلى أن الإمام أحمد يأخذ بالتعليل مسترشدا بما نقل عنه -رحمه الله- في بعض ما يغلظ تحريمه - من قوله: (هذا كلحم خنزير ميت) (٤).

كما نقل ابن القاسم عنه -رحمه الله-: أنه ذهب إلى أنه لا يجوز الحديد والرصاص متفاضلا: قياسا على الذهب والفضة، وهذا ظاهر في أنه -عليه الرحمة- قد علل تحريم


(١) سورة الذاريات الآية ٤٩
(٢) الفتاوى (٢٠/ ١٨٢).
(٣) الفتاوى (٢٥/ ١٧٥).
(٤) الفتاوى: (٢٥/ ١٧٥).