للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

العامل الأول، والركيزة الأساسية التي ينبني عليها كيان المجتمع الإسلامي، وتنضوي تحت لوائها صفوف المسلمين، منها يستلهمون طريق وحدتهم، وعلى ضوئها يشقون طريقهم إلى أعلى قمم المجد والعلى، وبهداها ومبادئها القيمة يفتحون القلوب قبل أن يفتحوا الأمصار والأقطار، ولقد كثرت المؤلفات والخطب والمحاضرات والمواعظ والندوات التي تنادي بوحدة المسلمين، وجمع كلمتهم وتوحيد صفوفهم بالأساليب المتعددة، وطرح الحلول الكثيرة، لكن هذه الأساليب والحلول ناقصة وغير تامة؛ نظرا لاهتمامها بالجوانب الفرعية فقط، فنجد أن جماعة ممن يهتمون بعوامل التضامن الإسلامي يركزون جل اهتمامهم على الجانب السياسي، ونجد جماعة أخرى تركز على الجانب الأخلاقي، ونجد جماعة ثالثة تركز على جوانب الترغيب والترهيب والزهد والورع، وقل أن تجد من بين هؤلاء من يهتم بالجانب الأساسي والركن العظيم، والذي هو الحصن الحصين، والمنطلق المتين لجمع كلمة المسلمين، ألا وهو عقيدة التوحيد الذي جمعنا الله به بعد الفرقة، وألف بين قلوبنا بعد التمزق، حتى أصبحنا به أمة واحدة ذات هدف واحد ومنطلق واحد، وعقيدة واحدة، هي مصدر عزتنا، وعنوان سعادتنا، ومناط وجودنا في هذه الحياة، إنها عبادة الله الذي لا إله غيره، ولا رب سواه، إنه الهدف الأسمى، والمقصد الأعلى الذي خلقنا الله له، وأوجدنا من أجله، كما قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} (١)، وقال تعالى: {فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ} (٢).

وقال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} (٣)، إذا تأملنا هذه الآيات الكريمات وما جاء في معناها - وما أكثره في كتاب الله - وجدنا أن أساس كل عمل في الإسلام إنما ينطلق من العقيدة، ويرتكز عليها، كما يرتكز البناء على أركانه.

والبيت لا يبتنى إلا له عمد ... ولا عماد إذا لم ترس أوتاد

وإذا عرفنا ذلك فإن أية دعوة إلى التضامن الإسلامي، إذا لم ينطلق أصحابها من


(١) سورة الذاريات الآية ٥٦
(٢) سورة الزمر الآية ٢
(٣) سورة البينة الآية ٥