للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وحينئذ يجب الكف عن التكييف؛ تقديرا بالجنان، أو تقريرا باللسان، أو تحريرا بالبنان.

ولهذا لما سئل مالك - رحمه الله تعالى - عن قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} (١)، كيف استوى؟ أطرق رحمه الله برأسه حتى علاه الرحضاء (العرق)، ثم قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وروى عن شيخه ربيعة أيضا الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، وقد مشى أهل العلم بعدهما إلى هذا الميزان، وإذا كان الكيف غير معقول، ولم يرد به الشرع فقد انتفى عنه الدليلان العقلي والشرعي، فوجب الكف عنه.

فالحذر الحذر من التكييف أو محاولته، فإنك إن فعلت وقعت في مفاوز لا تستطيع الخلاص منها، وإن ألقاه الشيطان في قلبك؛ فاعلم أنه من نزغاته، فالجأ إلى ربك؛ فإنه معاذك، وافعل ما أمرك به؛ فإنه طبيبك، قال الله تعالى: {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} (٢).

وبهذا علم بطلان مذهب المفوضة، الذين يفوضون علم معاني نصوص الصفات، ويدعون أن هذا مذهب السلف، والسلف بريئون من هذا المذهب، وقد تواترت الأقوال عنهما بإثبات المعاني لهذه النصوص إجمالا أحيانا وتفصيلا أحيانا، وتفويضهم الكيفية إلى علم الله عز وجل.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه المعروف بـ (العقل والنقل) ص ١١٦ ج١ المطبوع على هامش (منهاج السنة)، وأما التفويض فمن المعلوم أن الله أمرنا بتدبر القرآن، وحضنا على عقله وفهمه، فكيف يجوز مع ذلك أن يراد منا الإعراض عن فهمه ومعرفته وعقله؟ - إلى أن قال ص ١١٨ - وحينئذ فيكون ما وصف الله به نفسه في القرآن - أو كثير مما وصف الله به نفسه - لا يعلم الأنبياء معناه، بل يقولون كلاما لا يعقلون معناه.

قال: ومعلوم أن هذا قدح في القرآن والأنبياء؛ إذ كان الله أنزل القرآن، وأخبر أنه جعله هدى وبيانا للناس، وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يبلغ البلاغ المبين، وأن يبين للناس ما نزل إليهم، وأمر بتدبر القرآن وعقله، ومع هذا فأشرف ما فيه، وهو ما أخبر به الرب عن صفاته. . . لا يعلم أحد معناه فلا يعقل


(١) سورة طه الآية ٥
(٢) سورة فصلت الآية ٣٦