للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وعلى اختلاف ما بينها من بداوة وحضارة، وتخلف وارتقاء.

ثانيا: أن مبعث هذه الظاهرة، إحساس كل فرد في جماعة بأن هناك قدرة أو قدرا تتصرف فيه وفيما حوله تصرفا يلفت النظر ويبهر العقل، فيستشعر من نفسه ميلا قويا لمعرفة مصدر هذه القدرة التي لها عليه وعلى غيره هذا الأثر العجيب.

ثالثا: أن العقول حينما تبحث عن الحقيقة دون أن يكون لها مدد من السماء، لا يمكن أن تتفق على شيء واحد تؤمن به وتخضع له، وإنما تتشعب بها السبل، فإذا هي مختلفة في ذلك اختلافا كبيرا:

هناك عقول مشت على فطرتها فوصلت إلى معرفة الله، وهناك عقول مشت على غير فطرتها فنظرت نظرة ساذجة إلى ما حولها من مصادر القوة والتأثير فيها أو فيما يحيط بها، فإذا بجماعة تعبد الشمس وأخرى تعبد القمر، وثالثة تعبد النار، ورابعة تعبد الشجر، وخامسة تعبد البقر. . وغير هؤلاء كثيرون يعبدون آلهة شتى، وكلها مخلوقات لله، لا تملك لهم ضرا ولا نفعا، ولا موتا، ولا حياة، ولا نشورا.

رابعا: أن هذه العقول التي وصلت بفطرتها إلى الحقيقة الحقة وهي الله، لا تستطيع - مهما سمت وارتقت - أن تستقل استقلالا تاما بمعرفة كل ما يتصل بالله، وما غيبه عنها من عالم الآخرة التي نوقن أنه نهاية المطاف بعد هذه الحياة الدنيا، كما أنها لا تستقل بمعرفة الخير والشر، وما يجب أن يلتزم به الإنسان في حياته الدنيا: من عبادات، ومعاملات، وأخلاق، حتى لا يضل ولا يشقى.

خامسا: لما تقدم، اقتضت حكمة الله - تعالى - ورحمته بعباده، أن يرسل إليهم رسلا مبشرين ومنذرين، يدعونهم إلى الدين الحق، وإلى الطريق المستقيم.

هؤلاء الرسل بالنسبة لأممهم - كما يقول الأستاذ الإمام - بمنزلة العقول من الأشخاص (١)، وأزيد على هذا فأقول: إنها العقول الهادية التي لا تضل، والواعية التي لا تغفل، لأنها عقول أعدها الله وهيأها لتخليص البشرية من أباطيلها وأوهامها، وإنقاذها من شرورها وآثامها، وهدايتها إلى ما فيه خيرها وسعادتها.

* * *

ولكن على أية صورة بدأت العقيدة الدينية؟ هل بدأت ساذجة فكانت خرافة ووثنية؟ أو بدأت واعية مدركة للحقيقة الإلهية؟

لقد افترق الباحثون في تاريخ الأديان في ذلك إلى فريقين:


(١) رسالة التوحيد ص ٩١.