للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وإسماعيل بن عياش ما يرويه عن الحجازيين أحاديث ضعيفة، بخلاف روايته عن الشاميين، ولم يرو هذا عن نافع أحد من الثقات، ومعلوم أن النساء كن يحضن على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولم يكن ينههن عن قراءة القرآن. كما لم يكن ينههن عن الذكر والدعاء، بل أمر الحيض أن يخرجن يوم العيد، فيكبرن بتكبير المسلمين، وأمر الحائض أن تقضي المناسك كلها إلا الطواف بالبيت: تلبي وهي حائض، وكذلك بمزدلفة ومنى، وغير ذلك من المشاعر.

وأما الجنب فلم يأمره أن يشهد العيد، ولا يصلي، ولا أن يقضي شيئا من المناسك؛ لأن الجنب يمكنه أن يتطهر فلا عذر له في ترك الطهارة، بخلاف الحائض فإن حدثها قائم لا يمكنها مع ذلك التطهر. ولهذا ذكر العلماء: ليس للجنب أن يقف بعرفة ومزدلفة ومنى حتى يطهر، وإن كانت الطهارة ليست شرطا في ذلك. ولكن المقصود أن الشارع أمر الحائض أمر إيجاب أو استحباب بذكر الله ودعائه مع كراهة ذلك للجنب.

فعلم أن الحائض يرخص لها فيما لا يرخص للجنب فيه، لأجل العذر وإن كانت عدتها أغلظ، فكذلك قراءة القرآن ولم ينهها الشارع عن ذلك.

وإن قيل: إنه نهى الجنب؛ لأن الجنب يمكنه أن يتطهر ويقرأ بخلاف الحائض تبقى حائضا أياما فيفوتها قراءة القرآن، تفويت عبادة تحتاج إليها مع عجزها عن الطهارة، وليست القراءة كالصلاة، فإن الصلاة يشترط لها الطهارة مع الحدث الأكبر والأصغر، والقراءة تجوز مع الحدث الأصغر بالنص واتفاق الأئمة.

والصلاة يجب فيها استقبال القبلة واللباس واجتناب النجاسة، والقراءة لا يجب فيها شيء من ذلك، بل «كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يضع رأسه في حجر عائشة رضي الله عنها وهي حائض (١)»، وهو حديث صحيح، وفي صحيح مسلم أيضا: «يقول الله عز وجل للنبي -صلى الله عليه وسلم-: إني منزل عليك كتابا لا يغسله الماء، تقرأه نائما ويقظانا (٢)» فتجوز القراءة قائما وقاعدا وماشيا ومضطجعا وراكبا " (٣).


(١) صحيح البخاري الاعتكاف (٢٠٤٦)، سنن النسائي الحيض والاستحاضة (٣٨٦).
(٢) صحيح مسلم الجنة وصفة نعيمها وأهلها (٢٨٦٥)، مسند أحمد بن حنبل (٤/ ١٦٢).
(٣) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ٢١/ ٤٥٩ - ٤٦٢.